وأما الدليل الثاني، وهو وجوب شكر المنعم، فإنه من الأحكام البديهيّة التي يحكم بها العقل السليم، فا يختلف فيه اثنان من أهل الفهم والإدراك؛ ذلك أنّ الإنسان بطبيعته الفطرية يدرك وجوب ردِّ الجميل إلى من أسدى إليه معروفًا، ويشعر في قرارة نفسه بأنّ الإحسان يقابَل بالامتنان، وبأنّ الاعتراف بالفضل هو من أصول الأخاق القويمة التي تميِّز الإنسان العاقل عن الجاحد الناكر للجميل. فلو أنّ شخصًا نشأ يتيمًا، فتولاه رجلٌ كريم، ربّاه، ورعاه، وأحسن إليه، حتى كبر، وبلغ مراتب عالية من العلم والمعرفة، ثم
زوّجه، وأهداه بيتًا يؤويه، ووفّر له كل أسباب الراحة والاستقرار، فإنّ العقل يحكم بلزوم شكر هذا المحسن، والاعتراف بفضله، وعدم نكران أياديه البيضاء. بل إنّ من يتجاهل إحسانه يُعدّ في نظر العقاء ناكرًا للجميل، جافيًا عن روح الوفاء، خارجًا عن دائرة العقاء. وهذا الأمر بعينه ينطبق على قضيّة البحث عن الله عزّ وجل، فإنّ الإنسان إذا تأمل في نفسه، ووعى موقعه في هذا الكون، أدرك أنه قد حظي بكرامةٍ لم تُمنح لأيِّ مخلوق آخر، فقد خُلق في أحسن تقويم، وجُعل له العقل والإدراك، وأُحيط بنعمٍ عظيمةٍ لا تُحصى، فهو يتنعَّم بسامة الحواسّ، وانسجام الأعضاء، وحُسن الخِلقة، ويجد هذا الكون العظيم، بسمائه المرفوعة، وأرضه الممدودة، وهوائه العليل، ومائه العذب، وجباله الراسية، وسهوله الفسيحة، وبحاره المترامية، كلّها مسخَّرة له، موضوعة لخدمته، مهيّأة له ليعيش في راحة وأمان.
فأيّ عقلٍ بعد ذلك يُسوّغ للإنسان أنْ يغفل عن مُوجِد هذه النِّعم كلها؟ وأيّ منطقٍ يجيز له أنْ يتمتع بهذه العطايا الجليلة، ثم لا يفكر في المنعم الذي أغدقها عليه؟ إنّ العقل يحكم بوجوب البحث عن المنعم؛ لأنه لا يمكن للإنسان أنْ يؤدِّي شكره لمن لا يعرفه. فكيف يكون الشكر حقًّا إذا كان المنعَم عليه جاهاً بمن أنعم عليه؟ أ لا يتطلب ذلك البحث
عن خالقه ورازقه حتى يعبده بما هو أهلٌ له، ويؤدِّي حقّ شكره كما ينبغي؟ وهكذا، فإنّ هذين الدليلين العقليّين -دفْع الضرر المحتمل ووجوب شكر المنعم- يدفعان الإنسان دفعًا للبحث عن الله عزّ وجل. وهذا البحث ليس مجرَّد ترف فكريٍّ أو انشغال بما لا طائل منه، بل هو المدخل الذي يفتح للإنسان آفاقًا واسعةً لفهم الوجود بأسره، ويهديه إلى معرفة حقوقه وواجباته، ليحقِّق الاعتدال في حياته، ويضمن لنفسه السعادة في الدنيا والآخرة.
