الحاجة الثانية للدين: تقويم السلوك البشريّ وضبط الأخلاق إنّ الإنسان بفطرته يمتلك نوازع متضادّة، ففيه ميلٌ إلى الخير والرحمة، وفيه ميلٌ إلى الأهواء والشهوات، وهو مجبولٌ على حُبّ الذات، والتملُّك، والتفرُّد، والسعي وراء المصالح الخاصة، بل إنّ نزعة الطغيان تتأصَّل فيه متى ما وجد في نفسه قدرةً أَنْ رَآهُ 6ِْنْسَانَ لَيَطْغَى لإَّ إِنَّ ا ا{واستغناءً، كما قال الله عزّ وجلّ. وهذه الطبيعة البشريّة إذا لم تخضع لميزان العدل اسْتَغْنَى والقانون، ولم تُهذَّب وتروَّض على وفق نظامٍ قويم، فإنها ستتحوَّل إلى وحش مفترس لا يعرف للآخرين حقًّا، ولا يراعي لهم حرمة، فإذا تُرِكت الأهواء با ضابط، تحوّل المجتمع البشريّ إلى غابةٍ ينهش القويُّ فيها الضعيف، ويسلب القادرُ حقوق العاجز، ويسود ً من قوة القانون. لاقانون القوة بد ومن هذا المنطلق، احتاج الناس إلى شرائع وقوانين تردع ا للجشع والطغيان، وتقيم العدل بين الأفراد، ًّالظلم، وتضع حد قات الاجتماعيّة على أُسُسٍ قوامُها الحقّ والإنصاف، اوتنظِّم الع وترسم للإنسان طريقًا قويمًا في التعامل مع غيره.
والدين، بوصفه التشريع الإلهيّ الذي جاء مطابقًا لفطرة الإنسان واحتياجاته الحقيقيّة، هو الذي تولّى هذه الوظيفة العظيمة، فكان أثره في تهذيب السلوك البشريّ وتنظيم الحياة الخُلُقيّة عماً.7 - 6العلق (( (
رياديًّا وأساسيًّا، لا غنى للإنسان عنه، فهو الذي رسم الحدود بين المباح والمحظور، وميّز بين الفضيلة والرذيلة، وأقام ميزانَ العدل، فأمر بالصدق والأمانة، ونهى عن الغشِّ والخيانة، وحثّ على العفو والرحمة، وزجَر عن الظلم والطغيان. ولو تأمّل الإنسانُ في المجتمعات التي تجرَّدت عن الدين، ورفعت راية الإلحاد، لوجدها تعاني من انهيار خُلُقي واضطرابٍ قيمي، حيث أصبح المالُ هو الإله المعبود، والمصالح الدنيوية قات، فانتشرت الجريمة، وكثرت الخيانات، اهي المحرِّك الأول للع وضاعت القِيم الإنسانيّة، حتى صار الإنسان -الذي كرّمه الله- يعيش عيشةَ البهائم، لا يرى في الحياة إلا لذّاته ورغباته الشخصيّة.
-الذي يُعدّ أحدَ ولعل كلمة الفيلسوف الفرنسي "فولتير" رموز الفكر الإلحاديّ في أوروبا- تلقي الضوء على هذه الحقيقة حين قال. مع أنه كان ينظّر للإلحاد، إلا أنه لم يستطع إنكار زوجتي الحاجة إلى الدين في ضبط سلوك الإنسان وكبْح جماح غرائزه، وهذا ما أثبته التاريخ مرارًا، فإنّ كل مجتمع تنصّل عن الدين وقع في الفوضى الخُلُقيّة والفساد السلوكيّ، حتى أدرك عقاؤه - بعد فوات الأوان - أنّ الإنسان، مهما بلغ من العلم والتطوُّر، لا يمكنه فولتير: كاتب وشاعر وفيلسوف فرنسي، يعدّه الأوربيون واحدًا من أبرز أدباء حركة (( (. م )( 778 - ( 694 (، ولد في باريس القرن الثامن عشر التنوير في.2 ( 4، ص٣ 8 قصة الحضارة، ول ديورانت، ج( 2 (
قه، وإرساءا أنْ يستغني عن الدين في تنظيم حياته، وتقويم أخ قواعد العدالة في مجتمعه. فكما يحتاج الإنسان إلى غذاءٍ لبدنه، فهو بحاجة إلى نور الهداية لقلبه وعقله، وإنْ لم يخضع لنظام إلهيٍّ يقيمه على جادّة الصواب فإنه سرعان ما يقع في أسْر أهوائه، وتستعبده شهواته، فيتحوَّل من مخلوقٍ مكرَّم إلى عبدٍ لغرائزه؛ ولذلك كان الدين ضرورةً لا يستغني عنها البشر، فهو الذي ينظِّم الحياة، ويقيم ميزان ئق به، ليكون خليفة الله االأخاق، ويوجّه الإنسان نحو الكمال ال في الأرض، لا مجرَّد مخلوق يأكل كما تأكل الأنعام، بل روحًا رفيعة تسير على طريق الحق، وتهتدي بنور الوحي.
