
الشيعة يفضلون زيارة الحسين على فريضة الحج، فرووا «عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: زيارة الحسين عليه السلام تعدل عشرين حجّة، وأفضل من عشرين حجّة؛ (كامل الزيارات، ص 302، ح 506).
الجواب
الأخ عبد الرحيم المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
هذه ليست إلا مجرد دعوى لا دليل ولا برهان عليها وهي من جنس الأقوال التي لا زمام لها ولا خطام، ويجاب عنها بالآتي:
الحج ركن من أركان الدين ووجوبه من الضروريات عند الشيعة الإمامية، وهو في الأحاديث أفضل من الصوم والجهاد، بل أفضل من كل عبادة ما عدا الصلاة. [الكليني، الكافي، ج 4، ص 253، 254] وفي الحديث أيضاً: ((أن الحج من أركان الإسلام)). [الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 1، ص 1320، 2628].
وقد ذمّ المعصومون (عليهم السلام) عدم أداء أو تأخير الحج بشدة، وبيّنوا أن لذلك آثار وتبعات سلبية في الدنيا والآخرة. [نهج البلاغة، الرسالة 47. الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 11، ص 29- 32].
كما وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه العبادة بـأنها: ((علم الإسلام وشعاره)) [لاحظ: تفسير الأمثل، ج2، ص44]، وقال عنها – أيضاً - في وصيته في الساعات الأخيرة من حياته: ((الله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم فإنّه إن ترك لم تناظروا)). [الكليني، الكافي، ج7، ص51].
وقد اتفقت كلمة علماء الشيعة الإمامية على ركنيّة الحج في الإسلام وعدّوه من ضروريات الدين وأنّ منكره كافر إنْ لم يكن عن شبهة، قال السيد الخوئي (قده): ((والحج ركن من أركان الدين ووجوبه من الضروريات وتركه مع الاعتراف بثبوته معصية كبيرة كما أنّ إنكار أصل الفريضة إذا لم يكن مستنداً إلى شبهة كفر)) [المناسك، ص ٥]، وقال السيد السيستاني (دام ظله): ((والحج ركن من أركان الدين ووجوبه من الضروريات وتركه مع الاعتراف بثبوته معصية كبيرة كما أنّ إنكار أصل الفريضة إذا لم يكن مستنداً إلى شبهة كفر)) [المناسك، ص ٦].
وجاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: "لا يزال الدين قائما ما قامت الكعبة". (وسائل الشيعة، ج8، ص14 باب عدم جواز تعطيل الكعبة عن الحج، ح5).
فهذه مصادرنا وأحاديث أئمتنا وفتاوى مراجعنا تفصح وتصرح بأنّ حجة الإسلام واجبة بنصّ القرآن والسنة، وأنّه لا ينوب عنها غيرها ولا يسقطها سوى أداؤها، وهذه المسألة لا يختلف فيها اثنان من الشيعة، فأين فضّل الشيعة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) على فريضة الحج؟!
فحجة الإسلام واجبة عندنا بنص القرآن والسنة، وزيارة مراقد الأئمة الأطهار (عليهم السلام) مستحبة، وقطعاً المستحب لا ينوب عن الواجب ولا يسقط الفرض به، وحديث زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام، قوله: «زيارة الحسين عليه السلام تعدل عشرين حجّة، وأفضل من عشرين حجّة»؛ كما جاء في "كامل الزيارات" الذي أورده الكاتب في كلامه إنما هو في الحج المستحب لا الفرض، ومعلوم أن زيارته (عليه السلام) من أوكد المستحبات، ولم يقل أحد من العلماء بوجوبها بتاتا، والمستحب لا ينوب عن الواجب قطعاً كما هو معلوم لدى المخالف والمؤالف.
فزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) من الأعمال التي تَعدِلُ الحجّ في الجزاء لا الإجزاء، بمعنى أنّ هذه الأعمال تعدل الحجّ في الفضل، لا أنها تُسقط حجَّة الفَرض، فمقولة تفضيل الشيعة الإمامية زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) على فريضة الحج ما هي إلا تقوّل على الشيعة ما لم يقل به أحد من أئمتهم ولا علمائهم، يراد منه تنفير قلوب المسلمين منهم وإقصائهم وعزلهم عن العالم الإسلامي، وإلا فكثير من الأحاديث الواردة في صحاح أهل السنة ومسانيدهم في ظاهرها تفضيل بعض الأعمال على الحج، فخذ أمثلة على ذلك:
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: ((جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أحدثكم بمال لو أخذتم به لحقتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين)).
وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر، أنه قال: ((أن أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوليس قد جعل الله لكم صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة)).
وروى البيهقي في "شعب الإيمان" أنه أتى رجل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقال: إني أشتهي الجهاد، وإني لا أقدر عليه، فقال: «هل بقي أحد من والديك؟» قال: أمي، قال: «فاتق الله فيها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر، ومجاهد، فإذا دعتك أمك فاتق الله وبرها». [أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان].. وغيرها كثير .. وقال النووي في شرحه: ((قوله صلى الله عليه و سلم (فإن عمرة فيه) أي في رمضان (تعدل حجة) أي تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة)) [شرح صحيح مسلم، ج4، ص358].
ودمتم سالمين
