مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

زيارة الحسين (ع)، بابٌ للتوبة أم ذريعةٌ للمعصية؟

السائل أبو هيثم الهيتي النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 213 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

رواياتكم تَذكُر أنّ زيارة الحسين رضي الله عنه تغفر الذنوب، ما تقدَّم منها وما تأخَّر، ‏وهذا يعني أنّ الإنسان يُصبح حرًّا في فعل ما يشاء بعد الزيارة؟!‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ مَن يتصدّى لمناقشة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) دون أنْ يفقه منهجهم، ولا ‏يعرف سياقات كلامهم، ولا يتذوَّق معاني ولائهم، فلا عجب أنْ يقع في إشكالاتٍ واهيةٍ كهذه، ‏التي لا تعدو كونها سوء فهْمٍ ناشئٍ عن القراءة المجتزَأة للنصوص، أو عن تحميلها ما لا تَحتمِل ‏من معانٍ بعيدةٍ عن مراد المعصوم.‏

إنك تتوهَّم أنّ المغفرة التي وردت في رواياتنا بشأن زيارة سيِّد الشهداء (عليه السلام) تعني ‏تفويضًا مفتوحًا للزائر، ورفعًا للحساب عنه بعد الزيارة، كأنها صكٌّ يُجيز له اقتراف المعاصي ‏كيفما شاء، وتلك لعمري قراءةٌ ساذجةٌ لا يقرُّها عقلٌ، ولا يقبلها فكرٌ تأدَّب في مدرسة أهل ‏العصمة (عليهم السلام). فإنك إنْ كنتَ تطلب الحقَّ، فأعِرْني سمعك وفتْح بصيرتك، لأكشف لك ‏عن بطلان هذا الإشكال من أساسه.‏

أما أوّل ما يجب أنْ تعلمه، فهو أنّ المغفرة التي وعدتْ بها هذه الروايات ليستْ عمليّةً آليةً ‏تُعطى لكلِّ من ذهب بقدمَيه إلى قبر الحسين (عليه السلام)، بل هي لُطفٌ إلهيٌّ مشروطٌ ‏بإخلاص النيّة، وصفاءِ القلب، وصدق التوبة، والزيارة عن معرفةٍ وبصيرةٍ. وهل تظنّ أنّ الله ‏سبحانه ـ وهو أعدل العادلين ـ يغفر لمجرَّد المشي، دون أنْ يكون في قلب العبد يقظةٌ وندمٌ ‏ورغبةٌ في إصلاح النفس؟! إنك تخلط بين الرحمة الإلهيّة التي تتنزَّل على أهل التوبة، وبين ‏تصوُّرك الخاطئ عن المغفرة المطلقة بلا حسابٍ، وهو خلطٌ ناشئٌ عن الجهل بحقائق الدين.‏

ثم إنّ هذه الروايات قد قيَّدت المغفرة بقيدٍ جليٍّ لا يخفى على مَن له أدنى تأمُّل، إذ يقول الإمام ‏الصادق (عليه السلام): "مَن زار الحسين عارفًا بحقِّه غفر اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر"، ‏فهل المعرفة بحقِّ الحسين (عليه السلام) تعني مجرَّد الذهاب إلى كربلاء جسدًا بلا روح؟! أو أنّ ‏المراد بالمعرفة هو استيعاب مقام الحسين (عليه السلام)، والإيمان بقضيّته، والارتباط بمبدئه ‏ونهجه، والتحوُّل الداخليّ الذي يجعل الزائر رجلًا جديدًا، مقبلًا على الطاعة، نافرًا من ‏المعصية؟! فإنك إنْ كنت تظنّ أنّ هذه المغفرة تشمل كلّ زائرٍ دون اعتبارٍ لحاله، فكأنك تتجاهل ‏أنّ الله لا يعبث بحكمته، ولا يُخالف سُنَنه التي وضعها لعباده.‏

أما قولك: إنّ هذه المغفرة تعني أنّ الإنسان يصبح حرًّا في فعل ما يشاء بعد الزيارة، فذاك من ‏أغرب ما يُتصوَّر؛ إذ لا ملازمة بين مغفرة الذنوب الماضية، وبين إطلاق العِنان للإنسان في ‏المستقبل! فإنّ الله إذا غفر لعبده، فإنما يطهِّره من ذنوبه السابقة، لا أنه يعطيه صكًّا مفتوحًا ‏للمعاصي القادمة، وإلّا لكان الدِّين هزلًا، وكان الحساب عبثًا، وكان الجزاء لغوًا، وهذا ما لا ‏يقوله مسلمٌ موحِّد. بل إنّ مَن تاب توبةً صادقةً، وعاد بعدها إلى الذنب، عاد إلى دائرةِ الحساب، ‏وما كان له أنْ يحتجّ بالمغفرة السابقة، فإنّ ذلك جهلٌ بحقيقة العدل الإلهيّ، وخلْطٌ بين العفو عن ‏الماضي، والإذن في المستقبل، وحاشا أنْ يكون ذلك في دين الله.‏

ثم تأمَّلْ في جوهر الزيارة، وانظرْ بعين البصيرة، فإنّ الحسين (عليه السلام) لم يُقتَل ليكون بابًا ‏للفوضى، ولا ليكون منبرًا لمن يتاجر بالمغفرة، بل خرج قائلًا: "إني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا، ‏ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدِّي"، فكيف يُتصوَّر أنّ زيارته ‏تُصبح ذريعةً للفساد؟! بل إنّ الزيارة الحقّة ـ كما أرادها أهل البيت (عليهم السلام) ـ هي مدرسةٌ ‏تربويّةٌ تهذِّب النفس، وتُحيي الضمير، وتدفع الزائر إلى التغيير، حتى يكون حسينيًّا في سلوكه، ‏كما هو حسينيٌّ في زيارته.‏

أما مَن ظنّ أنّ الزيارة مجرَّد شعيرةٍ ظاهريّةٍ تكفي وحدها للنجاة، دون أنْ تصحبها معرفةٌ وعزمٌ ‏على الاستقامة، فهذا إنسانٌ لم يفهم دينَه، ولم يفقهْ معنى ولاية الحسين (عليه السلام). فإنّ الولاية ‏ليست مجرَّد لَقلقة لسانٍ، ولا مجرَّد خطواتٍ تُقطَع إلى كربلاء، بل هي التزامٌ بمنهج الحسين ‌‏(عليه السلام)، وتحمُّلٌ لرسالته، واتِّباعٌ لدربه، فإذا لم يكن ذلك، فزيارة هذا الإنسان لا تساوي ‏عند الله جناح بعوضة.‏

فإنْ كنتَ منصفًا، وألقيت عنك العصبيّة، علمت أنّ إشكالك هذا لا أساسَ له، وأنّ هذه الروايات ‏لا تمنح أحدًا ترخيصًا للمعصية، وإنما تفتح باب الرحمة لمن وعى معناها، وسلك سبيلها، ‏والتزم بشرائطها. فابحثْ عن الحقِّ بإنصافٍ تجدْ أنّ أهل البيت (عليهم السلام) أحرص الناس ‏على تطهير النفوس، وأبعدهم عن أنْ يكونَ دينُهم مجالًا للعبث، والله المستعان على مَن جهِل ‏حقَّهم أو أراد طمس نورهم.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة