مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

أين تكون النار إذا كانت الجنةُ عرضُها السماواتُ والأرض؟

السائل غالب النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 76 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

أنتم تقولون إنّ القرآن معجزٌ في بيانه، لكني أقرأ فيه وصف الجنة بأنها: {عَرْضُهَا ‏السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}، وهذا يعني - بحسب كلامكم - أنّ الجنة تملأ الكون كلَّه من أقطاره، ‏فدلّوني: أين تكون النار إذن؟ هل ضغطتموها في زاوية من هذا الكون أم ألغيتم وجودها؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

الإشكال المطروح مبنيٌّ على خللٍ في منهج قراءة النص قبل أن يكون اعتراضًا على مضمونه؛ ‏لأنّ صاحبه يفترض أنّ قوله تعالى: ﵟوَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُﵞ [آل عمران:133]، ‏يعني بالضرورة أنّ الجنة ممتدّة في هذا الفضاء الكوني الذي نعيش فيه، وبناءً على هذا ‏الافتراض يسأل: فأين تكون النار؟

وهذا الافتراض مناقض لأبسط قواعد العقل؛ لأنّه قائم على قياس عالمٍ لا نعرف طبيعته ‏‏(الآخرة) على عالمٍ نلمسه بحواسّنا (الدنيا).‏

والقرآن لا يتحدّث عن حيّزٍ داخل هذا الكون، بل يخاطب الإنسان بما يفهمه، فيقرّب له السعة ‏بما يعهده من أوسع ما يدركه بصرُه.. فالآية تريد أن تقول إنّ الجنة ذات سعةٍ يعجز عنها تخيّل ‏البشر، ولذلك تُذكر السماوات والأرض باعتبارهما أقصى ما يصل إليه حسّه، والعقل السليم ‏يفرّق بين التقريب وبين تحديد المساحة والامتداد في الخارج، كما يفرّق بين المثال التعليمي ‏والواقع العيني، وهذه حقيقة فطرية يدركها كلّ إنسان في حياته اليومية.‏

فأنت - مثلًا - ترى على شاشة هاتفك مدينةً كاملة، بل ترى الكرة الأرضية من الفضاء، ولكنك ‏لا تفهم من ذلك أنّ الأرض داخل الهاتف.. فأنت تعلم أنّ هذه الصورة تمثيلٌ للواقع لا أنّها هي ‏الواقع، وأنّ الجهاز يعرض لك ما هو أوسع منه مئات الآلاف من المرّات. فإذا كان ذهن ‏الإنسان يقبل هذا التفريق تلقائيًا، فكيف لا يقبله عند قراءة نصٍّ يحدّثه عن عالمٍ لا يخضع ‏تكوينه لقوانين المادة؟

ومن هنا يتّضح أساس المشكلة؛ إذ إنّ صاحب الإشكال يتعامل مع الآخرة كما لو كانت ملحقًا ‏لعالم الدنيا، وكأنّ الجنة والنار يجب أن تتزاحما في هذا الفضاء الذي نعرفه، مع أنّ هذا الفضاء ‏نفسه سينتهي وينقضي يوم القيامة، كما تصرّح بذلك النصوص الدينية، بل ويقرّ به كثيرٌ من ‏علماء الفيزياء الذين يتحدثون عن نهاية الكون أو تبدّل بنيته.. فإذا كان الكون نفسه حادثًا وقابلًا ‏للانهيار والتحوّل، فكيف يُجعل معيارًا للحكم على عوالم أُخرى؟

والإنسان يشاهد في حياته اليومية ما يدلّ على أنّ إدراكه الحسّي محدودٌ ولا يحيط بالموجودات ‏دفعةً واحدة؛ فحين يكون الليل في بلدٍ، يكون النهار في بلدٍ آخر، ولا يرى أحدٌ الظاهرتين معًا ‏وفي آنٍ واحد، رغم أنّهما قائمتان في وقتٍ واحد ضمن نظام الأرض.‏

ومع أنّ الإنسان لا يرى إلا جانبًا واحدًا من الحقيقة في اللحظة نفسها، إلّا أنّه لا يشكّ في وجود ‏الجانب الآخر، وهذا يدلّ على أنّ عدم الرؤية ليس دليلًا على عدم الوجود.‏

فإذا كان العقل يقبل هذا في عالمٍ محسوسٍ يخضع لقوانين الفلك التي نعرفها، فالأولى أن يقبل ‏أنّ عالم الآخرة - وهو عالمٌ آخر مختلف في طبيعته - لا يخضع للقياسات التي نطبّقها على ‏المادة. وعليه، فسؤال: أين تكون النار؟ سؤالٌ مبنيّ على فرضيةٍ خاطئة؛ لأنّه يُلزم نصًّا يتحدّث ‏عن عالمٍ آخر بأن يتصرّف وفق قوانين الفضاء الدنيوي الذي سيُطوى يومًا ما ويزول!!‏

والنتيجة أنّ الآية لا تدلّ على امتلاء الجنة للكون المادي الذي نعيش فيه، ولا على انعدام ‏موضع النار، بل تدلّ على سعةٍ تُقرَّب إلى ذهن الإنسان بما هو أوسع ما يشاهده في حياته، لا ‏أكثر.‏

وكلّ اعتراضٍ يُبنى على غير هذا الفهم فهو قائمٌ على قياسٍ فاسدٍ لا يلتزم به العقل، ولا تشهد له ‏التجربة الإنسانية في أبسط صورها.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة