
إنّ القرآن نصّ على وجود صباحٍ ومساءٍ في عالم البرزخ، وذلك في قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46]. فهذه الآية تُصرّح بأنّ آل فرعون يُعرضون على النار «غدوًّا وعشيًّا»، والغدوّ أوّل النهار، والعشيّ آخره، وهذان لا يتحقّقان إلّا بتعاقب الشمس والقمر. فإذا ثبت ذلك، لزم أن نقول إنّ في البرزخ ليلًا ونهارًا كما في الدنيا، وأنّ نظامه الزمانيّ تابع لدوران الأجرام السماوية.. فما الجواب؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
محلّ التوهّم:
موضع التوهّم هو لفظ ﵟغُدُوًّا وَعَشِيًّاﵞ الوارد في الآية الكريمة، فإنّ هذا اللفظ يدلّ على ظرفين زمانيّين مخصوصين هما أوّل النهار وآخره، وهما متقوّمان بطلوع الشمس وغروبها، وحيث إنّ الله سبحانه جعل عرض آل فرعون على النار واقعًا في هذين الظرفين، توهّم السائل أنّ هذا نصٌّ على وجود شمسٍ وقمرٍ في البرزخ، وأنّ نظامه خاضع لحركة الفلك كما في الدنيا.
وجه التوهّم:
أنّ الغدوّ والعشيّ حقيقتان زمانيّتان حسيّتان في الدنيا، وهما لا ينفكّان عن وجود الشمس؛ إذ لا يكون الغدوّ إلّا إذا بزغت الشمس، ولا يكون العشيّ إلّا إذا مالت للغروب.. فإذا نصّ القرآن عليهما في عالم البرزخ، كان ذلك ـ بزعم السائل ـ دالًّا على أنّ البرزخ محكوم بالقوانين الزمانية الدنيوية، وأنّ الألفاظ مستعملة في معانيها الحقيقية لا المجازية، ولا قرينة على الصرف، فتعين حملها على ظاهرها، فيلزم وجود ليلٍ ونهارٍ في البرزخ.
دفع التوهّم:
أولًا: تعريف البرزخ:
لغةً: البرزخ في لسان العرب هو الحاجز بين الشيئين، قال تعالى: ﵟمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِﵞ [الرحمن: 19-20]، أي حاجزٌ يفصل بين البحرين.
اصطلاحًا: استُعمل لفظ البرزخ في القرآن بمعنى الحياة المتوسطة بين الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﵟحَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَﵞ [المؤمنون: 99-100].
فالبرزخ إذن عالمٌ مستقلّ له قوانينه الخاصة، وهو حياة متوسطة تبدأ بعد الموت وتنتهي بالبعث.
وإذا تبيّن هذا، ظهر أنّ الخطأ كلّ الخطأ في قياس البرزخ على الدنيا في قوانينها الزمانية والفلكية، وأنّ ألفاظ القرآن الكريم ينبغي أن تُفهَم في ضوء هذا التمايز.
ثانيًا: معنى الغدوّ والعشيّ:
إنّ الغدوّ والعشيّ في لسان العرب قد يُستعملان في الحقيقة الزمانية، لكنّهما كثيرًا ما يُراد بهما مطلق التكرار والمداومة، فقد جاء في أشعارهم وأمثالهم قولهم: (أزورك بكرةً وعشيًّا)، وقولهم: (أدعوه صباحًا ومساءً)، وهم لا يريدون التحديد بالزمان، بل يراد به الملازمة والتكرار.
ومن هنا كان استعمال القرآن الكريم لهذا الأسلوب في مقام تقريب المعنى الغيبي إلى الأذهان، إذ لا يعرف الناس غير هذه الألفاظ في تصوير الدوام.
وقد استعمل القرآن هذا التعبير نفسه في مقام الحديث عن نعيم الجنة، قال سبحانه: ﵟوَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّاﵞ [مريم:62]، ومن المعلوم أنّ الجنة لا شمس فيها ولا قمر، كما قال جلّ شأنه: ﵟلَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًاﵞ [الإنسان:13].
قال الشريف الرضي في تلخيص البيان في مجازات القرآن (ص251): ((قوله سبحانه في ذكر أصحاب الجنة: {ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشيًّا}، أي مثل أوقات البكرة والعشيّ المعهودتين في حال الدنيا، لأنّ الجنة لا يوصف زمانها بالأيام والليالي؛ إذ ذلك من صفات الزمان الذي تتعاقب عليه الشمس طالعةً وغاربةً، فيسمّى نهارًا بطلوعها، ويسمّى ليلًا بقبوعها)).
وقال صاحب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (ج 15، ص 273): ((إنّ التعبير بـ(الغدوّ) و(العشيّ) قد تكون فيه إشارة إلى استمرار العذاب)).
وجاء في تفسير نور الثقلين عن تفسير علي بن إبراهيم: ((وقوله: {النار يُعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا}، قال: ذلك في الدنيا قبل القيامة، لأنّه في القيامة لا يكون غدوّ ولا عشيّ، إذ الغدوّ والعشيّ إنّما يكونان بالشمس والقمر، وليس في جنان الخلد ونيرانها شمسٌ ولا قمر)) [نور الثقلين، ج5، ص480].
فدلّ ذلك على أنّ المراد من (بكرةً وعشيًّا) دوام الرزق وتجدد النعمة، لا حقيقة الصبح والمساء. فإذا صحّ ذلك في الجنة، صحّ مثله في البرزخ.
فالآية الكريمة ليست في مقام إثبات نظامٍ زمانيّ دنيويّ للبرزخ، وإنّما جاءت لتصوير دوام عرض آل فرعون على النار بلغةٍ يفهمها الناس.
أمّا البرزخ فهو حياة متوسطة لها قوانينها الخاصة، لا تُدرك حقيقتها إلّا بالوحي، ولا تُقاس بأحكام الدنيا.
ومما تقدّم ثبت أنّ دعوى السائل بأنّ آية آل فرعون شاهدةٌ على وجود صباحٍ ومساءٍ في البرزخ، وبالتالي على وجود شمسٍ وقمرٍ فيه، دعوى ساقطة من أصلها.
فالبرزخ عالمٌ مستقلّ ليس استمرارًا للدنيا، بل طورٌ خاصّ بين الموت والبعث، وقد عبّر القرآن الكريم عنه بألفاظ مألوفة لتقريب الصورة، ولفظ {غُدُوًّا وَعَشِيًّا} ليس إلّا تصويرًا لدوام العذاب وتكرّره، كما استُعمل في الجنة لدوام النعيم وتجدد الرزق.
فبان بوضوح أنّ المراد من الآية دوام العرض واستمراره، لا إثبات ليلٍ ونهارٍ في البرزخ، وبذلك يزول التوهّم ويثبت الحقّ على وجهه الصحيح.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
