مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

توهّم إثبات الليل والنهار في البرزخ بآية آل فرعون

السائل أبو كمال النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 21 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

إنّ القرآن نصّ على وجود صباحٍ ومساءٍ في عالم البرزخ، وذلك في قوله تعالى: ‏‏{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} ‏‏[غافر:46]. فهذه الآية تُصرّح بأنّ آل فرعون يُعرضون على النار «غدوًّا وعشيًّا»، والغدوّ ‏أوّل النهار، والعشيّ آخره، وهذان لا يتحقّقان إلّا بتعاقب الشمس والقمر. فإذا ثبت ذلك، لزم أن ‏نقول إنّ في البرزخ ليلًا ونهارًا كما في الدنيا، وأنّ نظامه الزمانيّ تابع لدوران الأجرام ‏السماوية.. فما الجواب؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

محلّ التوهّم:‏

موضع التوهّم هو لفظ ﵟغُدُوًّا وَعَشِيًّاﵞ الوارد في الآية الكريمة، فإنّ هذا اللفظ يدلّ على ظرفين ‏زمانيّين مخصوصين هما أوّل النهار وآخره، وهما متقوّمان بطلوع الشمس وغروبها، وحيث ‏إنّ الله سبحانه جعل عرض آل فرعون على النار واقعًا في هذين الظرفين، توهّم السائل أنّ هذا ‏نصٌّ على وجود شمسٍ وقمرٍ في البرزخ، وأنّ نظامه خاضع لحركة الفلك كما في الدنيا.‏

وجه التوهّم:‏

أنّ الغدوّ والعشيّ حقيقتان زمانيّتان حسيّتان في الدنيا، وهما لا ينفكّان عن وجود الشمس؛ إذ لا ‏يكون الغدوّ إلّا إذا بزغت الشمس، ولا يكون العشيّ إلّا إذا مالت للغروب.. فإذا نصّ القرآن ‏عليهما في عالم البرزخ، كان ذلك ـ بزعم السائل ـ دالًّا على أنّ البرزخ محكوم بالقوانين ‏الزمانية الدنيوية، وأنّ الألفاظ مستعملة في معانيها الحقيقية لا المجازية، ولا قرينة على ‏الصرف، فتعين حملها على ظاهرها، فيلزم وجود ليلٍ ونهارٍ في البرزخ.‏

دفع التوهّم:‏

أولًا: تعريف البرزخ:‏

لغةً: البرزخ في لسان العرب هو الحاجز بين الشيئين، قال تعالى: ﵟمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * ‏بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِﵞ [الرحمن: 19-20]، أي حاجزٌ يفصل بين البحرين.‏

اصطلاحًا: استُعمل لفظ البرزخ في القرآن بمعنى الحياة المتوسطة بين الدنيا والآخرة، قال ‏سبحانه: ﵟحَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ ‏إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَﵞ [المؤمنون: 99-100].‏

فالبرزخ إذن عالمٌ مستقلّ له قوانينه الخاصة، وهو حياة متوسطة تبدأ بعد الموت وتنتهي ‏بالبعث.‏

وإذا تبيّن هذا، ظهر أنّ الخطأ كلّ الخطأ في قياس البرزخ على الدنيا في قوانينها الزمانية ‏والفلكية، وأنّ ألفاظ القرآن الكريم ينبغي أن تُفهَم في ضوء هذا التمايز.‏

ثانيًا: معنى الغدوّ والعشيّ:‏

إنّ الغدوّ والعشيّ في لسان العرب قد يُستعملان في الحقيقة الزمانية، لكنّهما كثيرًا ما يُراد بهما ‏مطلق التكرار والمداومة، فقد جاء في أشعارهم وأمثالهم قولهم: (أزورك بكرةً وعشيًّا)، وقولهم: ‏‏(أدعوه صباحًا ومساءً)، وهم لا يريدون التحديد بالزمان، بل يراد به الملازمة والتكرار.‏

ومن هنا كان استعمال القرآن الكريم لهذا الأسلوب في مقام تقريب المعنى الغيبي إلى الأذهان، ‏إذ لا يعرف الناس غير هذه الألفاظ في تصوير الدوام.‏

وقد استعمل القرآن هذا التعبير نفسه في مقام الحديث عن نعيم الجنة، قال سبحانه: ﵟوَلَهُمْ رِزْقُهُمْ ‏فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّاﵞ [مريم:62]، ومن المعلوم أنّ الجنة لا شمس فيها ولا قمر، كما قال جلّ شأنه: ‏‏ﵟلَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًاﵞ [الإنسان:13].‏

قال الشريف الرضي في تلخيص البيان في مجازات القرآن (ص251): ((قوله سبحانه في ذكر ‏أصحاب الجنة: {ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشيًّا}، أي مثل أوقات البكرة والعشيّ المعهودتين في ‏حال الدنيا، لأنّ الجنة لا يوصف زمانها بالأيام والليالي؛ إذ ذلك من صفات الزمان الذي تتعاقب ‏عليه الشمس طالعةً وغاربةً، فيسمّى نهارًا بطلوعها، ويسمّى ليلًا بقبوعها)).‏

وقال صاحب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (ج 15، ص 273): ((إنّ التعبير بـ(الغدوّ) ‏و(العشيّ) قد تكون فيه إشارة إلى استمرار العذاب)).‏

وجاء في تفسير نور الثقلين عن تفسير علي بن إبراهيم: ((وقوله: {النار يُعرضون عليها غدوًّا ‏وعشيًّا}، قال: ذلك في الدنيا قبل القيامة، لأنّه في القيامة لا يكون غدوّ ولا عشيّ، إذ الغدوّ ‏والعشيّ إنّما يكونان بالشمس والقمر، وليس في جنان الخلد ونيرانها شمسٌ ولا قمر)) [نور ‏الثقلين، ج5، ص480].‏

فدلّ ذلك على أنّ المراد من (بكرةً وعشيًّا) دوام الرزق وتجدد النعمة، لا حقيقة الصبح والمساء. ‏فإذا صحّ ذلك في الجنة، صحّ مثله في البرزخ.‏

فالآية الكريمة ليست في مقام إثبات نظامٍ زمانيّ دنيويّ للبرزخ، وإنّما جاءت لتصوير دوام ‏عرض آل فرعون على النار بلغةٍ يفهمها الناس.‏

أمّا البرزخ فهو حياة متوسطة لها قوانينها الخاصة، لا تُدرك حقيقتها إلّا بالوحي، ولا تُقاس ‏بأحكام الدنيا.‏

ومما تقدّم ثبت أنّ دعوى السائل بأنّ آية آل فرعون شاهدةٌ على وجود صباحٍ ومساءٍ في ‏البرزخ، وبالتالي على وجود شمسٍ وقمرٍ فيه، دعوى ساقطة من أصلها.‏

فالبرزخ عالمٌ مستقلّ ليس استمرارًا للدنيا، بل طورٌ خاصّ بين الموت والبعث، وقد عبّر القرآن ‏الكريم عنه بألفاظ مألوفة لتقريب الصورة، ولفظ {غُدُوًّا وَعَشِيًّا} ليس إلّا تصويرًا لدوام العذاب ‏وتكرّره، كما استُعمل في الجنة لدوام النعيم وتجدد الرزق.‏

فبان بوضوح أنّ المراد من الآية دوام العرض واستمراره، لا إثبات ليلٍ ونهارٍ في البرزخ، ‏وبذلك يزول التوهّم ويثبت الحقّ على وجهه الصحيح.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة