مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

أ يمكنُ أنْ يقوم نظامُ الوجود بلا أصحاب الكساء؟

السائل عبدالله النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 243 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

كيف يُقال: إنّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما من أجل خمسة أشخاص فقط؟ يعني مثل ما ورد في حديث الكساء: "ما خلقتُ سماءً مبنيّةً، ولا أرضًا مدحيّة، ولا قمرًا منيرًا، ولا شمسًا مضيئة..."، أ ليس في هذا مبالغة؟ وماذا عن باقي الناس، أ ليس لهم قيمةٌ في هذا الخلق؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيموالحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.إنّ القول بأنّ الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما لأجل محمّدٍ وآل محمّدٍ (صلوات الله عليهم) ليس من ضروب المجاز الخطابيّ، ولا من أساليب المبالغة في التعظيم، بل هو ممّا يقتضيه نظامُ الحكمة الإلهيّة، وتوجبُه القاعدة العقليّة في الغاية من الخلق. فإنّ الباري جلّ شأنه لا يخلق خلقه عبثًا ولا لعبًا، بل لغايةٍ معيَّنةٍ وغرضٍ محدَّد، وقد نطق القرآنُ ببيان هذه الغاية، فقال عزّ من قائلٍ: ﴿وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون﴾. وهذه الغاية ـ وإنْ كانت مطلوبةً من عموم المكلَّفين ـ إلّا أنّ تمام تحقُّقها إنّما يكون في نفرٍ مخصوصين، اصطفاهم الله تعالى، فبلغوا الغاية في الطاعة، ووفَّوا حقّ العبوديّة، ولم يزلّوا عن أمره سبحانه في صغيرةٍ ولا كبيرةٍ، فكانوا هم أوّل مَن تجلّت فيهم غاية الخلق على وجهها الأكمل، وأصدقُ من انطبقت عليهم حقيقة العبادة كما أرادها الله عزّ وجلّ. فإذا ثبتَ أنّ الغاية من الخلق هي العبادة، وكان أولئك الصفوة هم أكملَ مَن قام بها، ثبت أنّ الخلق كان لأجلهم، لا على معنى انحصار المقصود في ذواتهم، بل بمعنى أنّ الغاية التي مِن أجلها وقع الخلق قد تحقّقت فيهم على وجه الكمال، ولولاهم لم يظهر لتلك الغاية أثرٌ تامٌّ، ولم تتمّ بها الحجّة، ولم تستقم بها السُّنّة.فمَن أنكر أنْ يكون الخلق لأجلهم، فقد أنكر الغاية التي من أجلها وُجِد الخلق، ومَن أبى أنْ يكونوا هم قطب الرَّحى فيه، فقد أبى على العقل أنْ يُذعن بتمام ظهور الغرض، وهذا ممّا لا يقرّه ذو إنصافٍ.فإنّك ترى أهل العمران يشيِّدون منارةً شاهقةً في وسط البلدة، ويُحكمون بنيانها بالأيدي والآلات، ويرفعونها فوق سائر الأبنية، وليس المقصودُ من جميع ذلك إلّا أنْ يُوضَع في أعلاها مصباحٌ يبدّد الظلام، ويهدي السائرين في ليالي الدُّجى. فإنْ وُضع المصباح في موضعه، تمّت الحكمة، وانكشف وجه البُنيان، وإذا فُقِد بقي الهيكل خاليًا من معناه، فاقدًا لوظيفته. فإذا قيل: إنّ المنارة بأسرها إنما أُنشئت لأجل ذلك المصباح، لم يكن في القول غرابةٌ، إذ به يظهر شأنُها، وبه تتحقَّق غايتها، وبه يهتدي الناسُ في طريقهم.وكذلك النبيُّ وآلُه (صلوات الله عليهم) هم المصابيح التي من أجلها أُقيم بنيان هذا الخلق، وسُيِّرت أفلاكُ هذه العوالم، إذ بهم يهتدي العباد إلى سواء السبيل، وبهم تقوم الحجّة البالغة، ومن تعليمهم تُستمَدُّ معارف الشريعة، وبولايتهم يُقبل العمل، ويُزكّى، ولولاهم لبقي الخلق في مهاوي الحَيرة، وتِيه الجهالة، وتفرُّق السُّبل.وإذا كان الثابت عقلًا وعرفًا أنّ الشيء لا يُنشَأ إلّا لغايةٍ معيَّنةٍ وغرضٍ محدَّد، وأنّ قيمة ذلك الشيء إنّما تُعرف عند تحقُّق ذلك الغرض فيه، فلِمَ يُستنكَر أنْ يكون هذا الخلق بأسره لأجل من تحقّقتْ فيهم تمام الغاية من الخلق؟! بل لو خلا الوجودُ من أمثالهم، لانتقضت دعائم الحكمة، وصار الخلق عبثًا، وحاشا لله تعالى أنْ يَعبث. فإذا وُجِدوا، ثبت أنّ قيام الخلق بهم، وما عداهم تابعٌ لشأنهم، فصحّ ما ورد عنهم (عليهم السلام)، فقد روى الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) بإسناده، عن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: ((قال رسول ُالله (صلى الله عليه وآله): ما خلق الله خلقًا أفضل منّي ولا أكرم عليه منّي. قال عليّ (عليه السلام): فقلت: يا رسول الله، فأنت أفضل أم جبرئيل؟ فقال (صلى الله عليه وآله): يا عليّ، إنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرَّبين، وفضّلني على جميع النبيِّين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا عليّ وللأئمة من بعدك، وإنّ الملائكة لخُدّامنا وخُدّام محبّينا. يا عليّ، الذين يحملون العرش ومَن حوله يسبّحون بحمد ربّهم، ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا. يا عليّ، لولا نحن ما خلق اللهُ آدم (عليه السلام) ولا حواء، ولا الجنّة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض...)) [عيون أخبار الرضا، للصدوق، ج2، ص237].وعليه، فصحّ ما رُوِي من حديث الكساء: ((... فقال الله عز وجل: يا ملائكتي ويا سُكان سماواتي إني ما خلقت سماءً مبنيّة ولا أرضا مدحيّة ولا قمرًا منيرًا، ولا شمسًا مضيئةً ولا فلكًا يدور، ولا بحرًا يجري، ولا فَلَكا يسري إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء. فقال الأمين جبرائيل: يا رب، ومن تحت الكساء ؟ فقال عزّ وجلّ: هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها...)).وبهذا يتّضح أنّ الغايةَ التي لأجلها خَلق اللهُ الخلق قد تجسّدت في هذه الصفوة، وأنّ وجودهم هو المظهر الأكمل لمقتضى الحكمة، وأنّ ما سواهم إنّما ينال نصيبَه من الكرامة ببركتهم، وأنّه لو فُقدوا لانتفى الغرض، وبطلت الحكمة، وهو ما تنزّه عنه الحكيم جلّ شأنه.والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة