
يعتقدُ الشيعةُ بأنَّ المهديَّ المنتظر قدِ اختفى في السرداب، وينتظرون خروجَه منه. وهذهِ واحدةٌ من الأدلة التي تعكس مستوى تفكيرِهم. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ فكرة بقاء إنسان على قيد الحياة لأكثرَ من ألف سنة غير منطقية، ولا يمكن الاستدلال عليها بحياة الخضر عليه السلام؛ لأن الدليل دلَّ على وفاته، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "رحِم اللهُ أخي الخضر، لو كان حيًّا لزارني".
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
ثمةَ مقولةٌ شهيرةٌ تُنسبُ إلى وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، "اكذب اكذب حتى يصدقَك الآخرون".. والغايةُ منها تحريف الحقائق.
إنَّ علماءَ أهل السُّنة هم أولُ مَن ادَّعوا أنَّ الشيعة تعتقد بأنَّ المهدي اختفى في السرداب، وأنهم ينتظرون خروجَه منه، حيث حدَّدوا هذه الحادثة في كتبهم بالسنة 266 أو 265 هـ. والمضحك المُبكي في آنٍ واحد أنهم نظَموا في ذلك أشعارًا استهجنوا فيها هذا الاعتقاد الذي نسبوه إلى الشيعة زورًا وبهتانًا، فأنشد بعضهم: ((ما آنَ للسرداب أنْ يلدَ الذي … كلَّمتُمُوه بجهلِكم ما آنا)) [المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، ص152].
ومن اللافت للنظر أنْ نجد علماء أهل السُّنة، أمثال ابن الجوزي (تـ 596هـ)، وياقوت الحموي (ت 626هـ)، وابن الأثير (تـ 630هـ)، وابن خَلِّكان (تـ 681هـ)، وابن خلدون (تـ 808هـ)، وغيرهم، قد ذكروا هذه الحكاية الأسطورية في مؤلَّفاتهم، مما يشيرُ بوضوحٍ إلى أنَّ أصل هذه الفكرة يعود إليهم، ونشأتْ في أوساطهم، رغم افتقارها لأيِّ سندٍ تاريخي أو روائي، فنُسِبتْ زورًا إلى الشيعة، وكذبوا عليهم حتى صدَّقها مَن صدَّقها، فصيَّروها جزءًا من العقيدة الشيعية، في حين لم نجد واحدًا من علماء الشيعة، ممَّن عاش قبل تلك التواريخ، يذكر هذه الحكاية المكذوبة، فلم يذكر الطوسي ـ المتوفَّى سنة (460ه) في أيٍّ من مؤلفاته ـ مثلَ هذهِ الحكاية التي تُشبه في طابعها حكاياتِ العنقاء أو الغول، مما يؤكد زيفها وبُعدها عن المعتقد الشيعي الأصيل، ويعزِّز فرضية أنها رواية مفبركة، ويبدو أنَّ هؤلاء العلماء لجأوا إلى أسلوب التشهير والاتّهام الكاذب، عندما عجزوا عن تقديم أي دليلٍ على صحة ادّعاءاتهم.
غير أنَّ عقيدة الشيعة واضحةٌ في أنَّ أول ظهورٍ للإمام سيكون في مكة المكرمة، حيث يُبايَع له بين الركنِ والمقام، ثم يَنتقل إلى المدينة المنورة، وصولًا إلى العراق حيث يكون مقرُّه الكوفة، وجاء في هامش كتاب "الإلهيات": ((وأما ما يلهَج به بعض النواصب الأعداء، من أنّ الشيعة تذهب إلى غيبته في السرداب في سامراء، فهو مِن الأكاذيب التي ليس لها أصل أبدًا، لا في الكتب، ولا في صدور العوامِّ، وإنّما افتعلوه ازدراءً بالعقيدة)) [الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، للشيخ السبحاني، ج٤، ص١٣٤].
