
لماذا يصرّ الشيعة على تقبيل ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) وغيره من أضرحة الأئمّة، مع أنّ هذا الفعل لم يكن من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ولا الصحابة؟ أ ليس هذا من الغلوّ الذي نهى عنه الإسلام؟ وإذا كان القبر مجرَّد مكانٍ لدفن الميت، فما الحاجة إلى تقبيله والتبرُّك به؟ أ ليس هذا نوعًا من البِدعة التي لم ترِدْ في الكتاب ولا في السُّنة؟ بل أ ليس هذا الفعل شبيهًا بما كان يفعله أهل الجاهليّة حين كانوا يتمسَّحون بأحجارهم، وهو ما جاء الإسلام ليُبطِله؟ وإذا كان هذا القبر مجرَّد ترابٍ، فكيف يصبح موضعًا للتبرُّك، والله وحده هو الذي يمنح البركة؟ وهل ثبت أنّ الصحابة كانوا يقبِّلون قبر النبي (صلى الله عليه وآله) أو يتمسَّحون به؟ وإذا كان هذا الفعل خيرًا، فلماذا لم يفعله أبو بكر وعمر وسائر الصحابة؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
عجيبٌ أمركم! تحاولون منع الناس من تقبيل ضريح الحسين (عليه السلام) والتبرُّك به، وكأنكم أعلم بالله من النبيّ نفسه، وكأنكم حرّاسٌ على عقيدة المسلمين بلا دليلٍ ولا برهان! هل صارت محبَّتنا لأولياء الله فجأة بِدعة؟ وهل أصبح التوسُّل بعباد الله الصالحين غلوًّا عندكم، بينما أنتم تركعون أمام قبور رموزكم بلا اعتراضٍ؟ إنْ كان لمس القبر أو تقبيله شِركًا، فهل ستتجرأون على تكفير عمر بن الخطاب الذي قبّل الحجر الأسود، وقال: ((والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ، ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي يقبِّلك ما قبَّلتك))؟ [صحيح البخاري، ج2، ص579، ح1520]، أو إنكم لا تستيقظون إلا عندما يكون التقديس للحسين وأهل بيت النبي؟!
ثم تعالَ، وفكّر بعقلك قليلًا: إذا كان الحجر الأسود مجرَّد حجرٍ، فكيف شرّع النبي (صلى الله عليه وآله) تقبيله؟ أ ليس هذا تناقضًا مع ادِّعائكم أنّ الجمادات لا تُقبَّل، ولا يُتبرَّك بها؟ وهل عندكم حجارةٌ مقدَّسة وحجارة محرَّمة، حسب الأهواء؟ أو إنّ مشكلتكم ليست مع التقبيل، بل مع من يُقبَّل ضريحُه؟
أما احتجاجكم بأنّ الصحابة لم يفعلوا ذلك، فهو دليلٌ على ضعف حجَّتكم؛ لأنكم تعلمون جيِّدًا أنّ الصحابة كانوا يحرصون على التبرُّك بالنبي (صلى الله عليه وآله) في حياته وبعد وفاته، وقد ثبت في كتبكم أنّ الصحابة كانوا يأخذون من وضوئه، ويتمسَّحون بثيابه، بل ويتبرَّكون بشَعره وأظفاره، وأكَّد ذلك الشيخ ابن عثيمين في كتابه "شرح رياض الصالحين" بقوله: ((وقد كان الصحابة يتبرَّكون بعرَق النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبرَّكون بريقه، ويتبرَّكون بثيابه، ويتبرَّكون بشَعره)) [شرح رياض الصالحين، ج4، ص243]، فهل كان النبيّ يربِّي فيهم الشِّرك؟ أو إنكم تُنكرون أحاديثكم؛ لأنكم لا تحتملون أنْ يكون التبرُّك بأهل البيت (عليهم السلام) مشروعًا؟
ثم لنكشف لكم تناقضَكم الأكبر: عندما يأتي الناس لزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) في المدينة، هل تمنعونهم من التوسُّل به؟ إذا كنتم تمنعونهم، فقد خالفتُم الأمّة كلَّها، وإنْ كنتم تسمحون بذلك، فلماذا تُنكرون التبرُّك بمرقد الحسين (عليه السلام) وهو الذي قال فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله): ((حسينٌ مني، وأنا من حسين)) [سنن الترمذي، ج5، ص658، ح3775]؟ أم إنّ قلوبكم لا تحتمل أنْ يبقى للحسين ذكرٌ بين المؤمنين؟
وإذا كنتم تعترضون على التبرُّك بأضرِحة الصالحين، فكيف لا تعترضون على زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله)؟ وإذا كنتم تقولون: هذا القبر مجرَّد ترابٍ، فهل النبيّ مدفون في مجرَّد ترابٍ أيضًا؟ هل صار كل مقدَّس عند المسلمين عندكم مجرَّد ترابٍ؟ أو إن معاييركم تختلف حسب أهوائكم؟
إنّ مشكلتكم الحقيقيّة ليستْ مع التقبيل، وليست مع التبرُّك، بل مع الحسين (عليه السلام) نفسِه؛ لأنّ قبره يمثِّل ثورةً لا تهدأ، وصوتًا يقضُّ مضاجع كلِّ ظالم، وأنت تعلم قبل غيرك أنّ هذه الدمعة على الحسين لن تنطفئ، وأنّ تقبيل ضريحه ليس مجرَّد عادةٍ، بل هو ميثاق ولاء، وعهدٌ على البقاء مع الحقِّ مهما حاولتُم طمسه.. فحاولوا كما شئتم، فالحسينُ باقٍ، وزوّاره بالملايين، وضريحه أطهر من أنْ تناله سهامُ حقدِكم!
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
