
القرآنيّون يزعمون أنّهم يدركون معانيَ القرآن إدراكًا أكمل ممّا أدركه النبيّ صلى الله عليه وآله، بدعوى أنّ النبيّ خوطِب ـ عندهم ـ على قدرِ معارف أهل زمانه، أمّا هم فقد اتّسعت مداركهم، فيرَون أنفسَهم قادرين على فهْم ما لم يفهمْه النبيّ من الوحي.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ القول بأنّ أحدًا يمكن أنْ يكون أعلمَ بالقرآن من الرسول (صلى الله عليه وآله)، قولٌ لا ينهض عليه برهانٌ، بل يتنافى مع أصلٍ ثابتٍ في القرآن الكريم، وهو أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) هو المتلقّي للوحي، والمبيَّن له، والمعلَّم من قِبل الله عزّ وجلّ.. فإذا ثبت هذا الأصلُ، كان من الممتنع عقلًا وشرعًا أنْ يتقدّم أحدٌ عليه في فهم ما أُنزِل عليه.
وقد صرّح القرآنُ بهذا الأصل في آياتٍ كثيرة، منها قوله سبحانه: ﵟوَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْﵞ [النحل:44].
فبيانُ القرآنِ وظيفةٌ أوكلَها اللهُ إلى النبيِّ نفسِه، والشيءُ لا يُبيَّن لمن هو أعلمُ به، بل يُبيَّن لمن هو دون ذلك.. فلو جاز لأحدٍ أنْ يفهم القرآن أكثر من النبيِّ لكان تكليف النبيّ بالبيان لغوًا، وهذا لا يليق بحكمة الله سبحانه.
وقال تبارك وتعالى في وصف النبيِّ (صلى الله عليه وآله): ﵟلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَﵞ [آل عمران:164]، فجعل النبيَّ معلِّمًا والناسَ متعلِّمين، فإذا كان النبيُّ هو المُعلّم من قِبَل الله عزّ وجلّ، وهو الذي يُفيض العلمَ على الناس بأمره سبحانه، كان من المحال أنْ يسبق المتعلِّمُ مُعلِّمَه في فهْم ما تلقّاه منه؛ لأن المتعلّم إنما يأخذ عنه، ولا يتقدَّم على مَن يأخذ عنه.
ثم إنّ القرآن الكريم أثبت حقيقةً لا تُدفع، وهي أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن نفسه فيما يتعلّق بالدين، فقال سبحانه: ﵟوَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىﵞ [النجم:3 و4]، ومَن كان كلامُه في شأن الدين وحيًا، فكيف يُتصوَّر أنْ يتقدّم عليه بشرٌ في فهْم ذلك الوحي؟!
أمّا الفهمُ الذي يدّعيه القرآنيّون فهو فهمٌ يعتمد على قدراتٍ بشريّةٍ محدودةٍ، تخطئ، وتصيب، وتعتريها الظنون والنقص.. أمّا فهم النبي (صلى الله عليه وآله) للقرآن فمرتبطٌ بتثبيتٍ إلهيٍّ مباشرٍ، لا يتطرّق إليه شيءٌ من هذه الآفات، فالمقايسة بين الفهمَين مرفوضةٌ في أصلها.
ولو سلّمنا معهم ـ جدلًا ـ بأنّ تقدُّم الزمن وتوسُّع العلوم قد يُعِين على فهْم بعض الإشارات الكونيّة أو ما شاكلها، فإنّ هذا لا يرفع النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن مقامه؛ لأنّه لم يُبعث ليُدرِّس العلوم التجريبيّة، بل ليفتح للناس باب الهداية.. وتطوّرُ العلوم لا يجعل أحدًا أعلم بمعاني الوحي ممن نزل عليه الوحي نفسه.
ومتى تأمّل العاقلُ في أصل المسألة وَجد أنّ الإنسانَ لا يكون أعلم بكتابٍ كتَبه غيرُه من كاتبه نفسه؛ لأنّ الكاتب أعرف بمراده، وأضبط لسياق كلامِه، وهذا معنًى يدركه كلُّ ذي فطرةٍ سليمةٍ.
فإذا كان هذا في حقّ البشر، فكيف بمن كان متلقّيًا للوحي، يعلّمه اللهُ سبحانه، ويثبِّته، ويشرح صدرَه، ويخبره بما لا يبلغه غيره؟ فهل يُعقَل أنْ يكون غيرُه أولى بفهم ما خُصّ به، وابتُعث لتبليغه؟
فالقياسُ مع الفارق، بل أصل القياس ساقطٌ؛ لأنّ المقارنة بين فهمٍ مبنيٍّ على قدرة البشر، وبين فهمٍ مؤيَّد بالوحي، مقارنةٌ لا تستقيم في أصلها، ولا يجتمع طرفاها على معيارٍ واحدٍ.
فالدعوى - في حقيقتها - قائمةٌ على تصوُّرٍ مغلوطٍ، يجعل القرآن الكريم كتابًا بشريًّا يخضع لأدوات التحليل المتغيِّرة. بينما هو كتابٌ منزَّل، لا يؤتى بابُه إلّا من جهة بيانه، وبيانُه بيد النبي (صلى الله عليه وآله) ومَن جعله الله عزّ وجل من بعدِه أهلًا لهذا الشأن؛ ولهذا قال سبحانه: ﵟفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِﵞ [الأنبياء:7]، ولو كان كلُّ أحدٍ قادرًا على إدراك القرآن على الوجه الذي يريده الله لما كان للأمر بالسؤال معنًى، ولا لاحتياج الناس إلى معلّمٍ من الله حاجة.
والخلاصةُ أنّ دعوى القرآنيّين بأنّهم قد يفهمون القرآنَ أكثر من النبيِّ (صلى الله عليه وآله) دعوى باطلةٌ بالقرآن نفسه، ومستحيلةٌ بالعقل، وساقطةٌ بالقياس القريب في الأمور العرفيّة بين البشر.. فكيف يُقارَن فهمٌ يعتمد على أدوات بشريّةٍ محدودةٍ، بفهمٍ مؤيَّد بالوحي، ومقصودٍ منه البيان؟!
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
