مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

تفنيدُ قولِ القرآنيّين بتقدُّم فهْمهم للقرآن على فهْم الرسول

السائل حسن الأديب النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 34 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

القرآنيّون يزعمون أنّهم يدركون معانيَ القرآن إدراكًا أكمل ممّا أدركه النبيّ صلى الله ‏عليه وآله، بدعوى أنّ النبيّ خوطِب ـ عندهم ـ على قدرِ معارف أهل زمانه، أمّا هم فقد اتّسعت ‏مداركهم، فيرَون أنفسَهم قادرين على فهْم ما لم يفهمْه النبيّ من الوحي.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

إنّ القول بأنّ أحدًا يمكن أنْ يكون أعلمَ بالقرآن من الرسول (صلى الله عليه وآله)، قولٌ لا ‏ينهض عليه برهانٌ، بل يتنافى مع أصلٍ ثابتٍ في القرآن الكريم، وهو أنّ النبيَّ ‏(صلى الله عليه ‏وآله)‏ هو المتلقّي للوحي، والمبيَّن له، والمعلَّم من قِبل الله عزّ وجلّ.. فإذا ثبت هذا الأصلُ، كان ‏من الممتنع عقلًا وشرعًا أنْ يتقدّم أحدٌ عليه في فهم ما أُنزِل عليه.‏

وقد صرّح القرآنُ بهذا الأصل في آياتٍ كثيرة، منها قوله سبحانه: ﵟوَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ ‏لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْﵞ [النحل:44].‏

فبيانُ القرآنِ وظيفةٌ أوكلَها اللهُ إلى النبيِّ نفسِه، والشيءُ لا يُبيَّن لمن هو أعلمُ به، بل يُبيَّن لمن ‏هو دون ذلك.. فلو جاز لأحدٍ أنْ يفهم القرآن أكثر من النبيِّ لكان تكليف النبيّ بالبيان لغوًا، وهذا ‏لا يليق بحكمة الله سبحانه.‏

وقال تبارك وتعالى في وصف النبيِّ ‏(صلى الله عليه وآله)‏: ﵟلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ ‏فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَﵞ [آل عمران:164]، ‏فجعل النبيَّ معلِّمًا والناسَ متعلِّمين، فإذا كان النبيُّ هو المُعلّم من قِبَل الله عزّ وجلّ، وهو الذي ‏يُفيض العلمَ على الناس بأمره سبحانه، كان من المحال أنْ يسبق المتعلِّمُ مُعلِّمَه في فهْم ما تلقّاه ‏منه؛ لأن المتعلّم إنما يأخذ عنه، ولا يتقدَّم على مَن يأخذ عنه.‏

ثم إنّ القرآن الكريم أثبت حقيقةً لا تُدفع، وهي أنّ النبيَّ ‏(صلى الله عليه وآله)‏ لا ينطق عن نفسه ‏فيما يتعلّق بالدين، فقال سبحانه: ﵟوَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىﵞ [النجم:3 و4]، ‏ومَن كان كلامُه في شأن الدين وحيًا، فكيف يُتصوَّر أنْ يتقدّم عليه بشرٌ في فهْم ذلك الوحي؟!‏

أمّا الفهمُ الذي يدّعيه القرآنيّون فهو فهمٌ يعتمد على قدراتٍ بشريّةٍ محدودةٍ، تخطئ، وتصيب، ‏وتعتريها الظنون والنقص.. أمّا فهم النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏ للقرآن فمرتبطٌ بتثبيتٍ إلهيٍّ ‏مباشرٍ، لا يتطرّق إليه شيءٌ من هذه الآفات، فالمقايسة بين الفهمَين مرفوضةٌ في أصلها.‏

ولو سلّمنا معهم ـ جدلًا ـ بأنّ تقدُّم الزمن وتوسُّع العلوم قد يُعِين على فهْم بعض الإشارات الكونيّة ‏أو ما شاكلها، فإنّ هذا لا يرفع النبيّ‏ (صلى الله عليه وآله)‏ عن مقامه؛ لأنّه لم يُبعث ليُدرِّس ‏العلوم التجريبيّة، بل ليفتح للناس باب الهداية.. وتطوّرُ العلوم لا يجعل أحدًا أعلم بمعاني الوحي ‏ممن نزل عليه الوحي نفسه.‏

ومتى تأمّل العاقلُ في أصل المسألة وَجد أنّ الإنسانَ لا يكون أعلم بكتابٍ كتَبه غيرُه من كاتبه ‏نفسه؛ لأنّ الكاتب أعرف بمراده، وأضبط لسياق كلامِه، وهذا معنًى يدركه كلُّ ذي فطرةٍ سليمةٍ.

فإذا كان هذا في حقّ البشر، فكيف بمن كان متلقّيًا للوحي، يعلّمه اللهُ سبحانه، ويثبِّته، ويشرح ‏صدرَه، ويخبره بما لا يبلغه غيره؟ فهل يُعقَل أنْ يكون غيرُه أولى بفهم ما خُصّ به، وابتُعث ‏لتبليغه؟

فالقياسُ مع الفارق، بل أصل القياس ساقطٌ؛ لأنّ المقارنة بين فهمٍ مبنيٍّ على قدرة البشر، وبين ‏فهمٍ مؤيَّد بالوحي، مقارنةٌ لا تستقيم في أصلها، ولا يجتمع طرفاها على معيارٍ واحدٍ.‏

فالدعوى - في حقيقتها - قائمةٌ على تصوُّرٍ مغلوطٍ، يجعل القرآن الكريم كتابًا بشريًّا يخضع ‏لأدوات التحليل المتغيِّرة. بينما هو كتابٌ منزَّل، لا يؤتى بابُه إلّا من جهة بيانه، وبيانُه بيد ‏النبي ‏(صلى الله عليه وآله)‏ ومَن جعله الله عزّ وجل من بعدِه أهلًا لهذا الشأن؛ ولهذا قال سبحانه: ﵟفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِﵞ [الأنبياء:7]، ولو كان كلُّ أحدٍ قادرًا على إدراك القرآن على الوجه الذي ‏يريده الله لما كان للأمر بالسؤال معنًى، ولا لاحتياج الناس إلى معلّمٍ من الله حاجة.‏

والخلاصةُ أنّ دعوى القرآنيّين بأنّهم قد يفهمون القرآنَ أكثر من النبيِّ ‏(صلى الله عليه وآله)‏ ‏دعوى باطلةٌ بالقرآن نفسه، ومستحيلةٌ بالعقل، وساقطةٌ بالقياس القريب في الأمور العرفيّة بين ‏البشر.. فكيف يُقارَن فهمٌ يعتمد على أدوات بشريّةٍ محدودةٍ، بفهمٍ مؤيَّد بالوحي، ومقصودٍ منه ‏البيان؟!‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة