مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

سبب الاختلاف في تفسير آيات القرآن الكريم

السائل حميد العقابي النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 703 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

لماذا يوجد اختلاف بين المسلمين في تفسير آيات القرآن الكريم لا سيما ما تعلق بالأحكام، فكل طائفة نجد لها تفسير مختلف، هل لأن الآيات مبهمة ومعانيها غير جلية وواضحة! فلماذا لم يجعل الله سبحانه كل آياته نصوصا محكمة وبيانات واضحة حتى لا يحصل الإختلاف وتتوحد التفاسير ويكون تفسير القرآن مرجعا واحدا؟!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

أسباب الاختلاف في تفسير القرآن الكريم متعددة:

منها: أن الآيات القرآنية فيها النص الذي لا يحتمل معنى آخر، كما في قوله تعالى: ﵟحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْﵞ [النساء:23]، فهذه الآية نص في الحرمة ولا تحتمل أي معنى آخر يمكن حملها عليه.

ومنها: أن فيها الظاهر، وهو اللفظ الذي يحتمل معنيين أو أكثر، ويستظهر المفسر أو الفقيه المستنبط للحكم من القرآن أن أحدهما أظهر من غيره، كقوله تعالى: ﵟأَقِيمُوا الصَّلَاةَﵞ [الأنعام:72]، فهنا قد يقول فقيه بأن الصلاة واجبة عليكم مع أنه لا توجد كلمة «أوجبت عليكم الصلاة»، أو «تجب عليكم الصلاة» في الآية الكريمة.

والفقيه إنما استفاد وجوب الصلاة من هذه الآية الكريمة من ظهور صيغة (إفعل) في الوجوب، والتي جاءت كلمة (أقم) على وزانها، مع احتمال أن يستفيد فقيه آخر من صيغة (إفعل) مطلق الطلب (يعني الأعم من الوجوب والإستحباب)، فلا يقول بوجوب الصلاة، فيحتاج إلى دليل آخر للإفتاء بالوجوب غير الآية المذكورة. فهذا هو أحد أسباب الإختلاف في تفسير القرآن الكريم واستفادة الأحكام منه وهو باب الظهورات.

ومنها: وجود المحكم والمتشابه في آيات القرآن الكريم، فبعض الآيات جاءت واضحة ومحكمة ولا تحتمل معنى آخر في بيانها، كقوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [ النساء: 171]، فهذا المعنى من وجود إله واحد من الآية الكريمة يفهمه كل أحد ولا يختلف عليه اثنان، ولكن هناك آيات تحتمل أكثر من معنى في مرادها، نحو قوله تعالى: ﵟيَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْﵞ [الفتح:10]، فبعض الفرق الإسلامية - كالإمامية والمعتزلة وجماعة كبيرة من الإشاعرة - قال بأن المراد باليد هنا القدرة، أي قدرة الله فوق قدرتهم، فذهبوا إلى التأويل والمجاز في بيان المراد من الآية حتى لا يقعوا في التجسيم والتشبيه المنهي عنه عقلا وشرعا، وغيرهم – كالسلفية والوهابية - قالوا بأن المراد هو الظاهر الحقيقي، أي أن لله يداً حقيقة فوقعوا في التجسيم والتشبيه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقولك: لماذا لم يجعل الله سبحانه كل آياته نصوصا محكمة وبيانات واضحة حتى لا يحصل الإختلاف وتتوحد التفاسير ويكون تفسير القرآن مرجعا واحدا؟!

الجواب: ليس كل القرآن غامضا ومستعصيا على الناس فهمه، بل فيه آيات واضحة جدا وبيانات يفهمها كل إنسان يملك قدرا من الإحاطة باللغة العربية والفهم السليم، والسر في جعل المتشابه والظهورات في القرآن الكريم هو في المحافظة على المرجعية الدينية في الإسلام وعدم جعلها بيد كل من هب ودب. فقد أرشد القرآن الكريم في آيات واضحة منه بلزوم رجوع الأمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أهل الذكر عند عدم العلم ومعرفة المراد من القرآن الكريم، وليس ذاك إلا من أجل تحديد الجهة التي تقود المسلمين وتأخذ بزمام أمورهم، فالإسلام ليس قرآنا فقط، بل هو قرآن وقيادة معا، وهو ما نفهمه بكل وضوح من حديث الثقلين الذي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمة فيه بالتمسك بالقرآن والعترة معا من بعده كي لا تضل أبدا.

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما)) [مختصر صحيح الجامع الصغير، للسيوطي والألباني، رقم الحديث: 1726-2458]. وحين قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، حبل ممدود ما بين الأرض والسماء، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)) [صحيح الجامع الصغير، للألباني، ج1، ص482]. وفي عدم أخذ الدين وتفسير القرآن الكريم من المرجعية التي حددها لنا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) - كبا الكثيرون فاختلفوا وما زال الإختلاف قائما بينهم في كل الأمور.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة