مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

أتباع أهل البيت يتحلون بأدب رفيع يعرفه القاصي والداني

السائل مرتضى أبو كرار النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 406 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

دائما ما يردد إخواننا من أهل السنة أن الشيعة يسبون ويشتمون الصحابة ويسبون زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، ويذكرون أن اللعن والنقد هو في الحقيقة سب وشتم للصحابة وحكم الشيعة هو الكفر كما فتى بذلك علماء أهل السنة، ومن يقول خلاف ذلك فهو جاهل حاقد لا يفقه ما يقول، ومن نماذج ما يعتبرونه سبا وشتما هو قولهم: ان الشيعة بعدم شرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ويقولون بعدم عدالة الصحابة ولا يتوقفون عن ذكر الحوادث التاريخية وما شجر بين الصحابة وحال أزواجه وغيرها من أمور كلها داخلة تحت عنوان السب والشتم المحرم شرعا ... نرجوا منكم ردا عليما لنجيبهم به وشكرا لكم.

الجواب

بسمه تعالى

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

من الواضح جدا: أن معنى السب يغاير معنى اللعن وكلاهما يغايران معنى النقد.

قال ابن عاشور في تفسيره: ((السب كلام يدلّ على تحقير أحد أو نسبته إلى نقيصة أو معرّة، بالباطل أو بالحقّ، ... وليس من السبّ النسبةُ إلى خطأ في الرّأي أو العملِ، ولا النّسبة إلى ضلال في الدّين إن كان صدر من مخالف في الدّين" [تفسير التحرير والتنوير، ج7، ص427].

والنقد هو دراسة حياة الشخص من منظار موضوعي وبيان ما له من الفضل والكرامة او ما اقترف من افعال واقوال شنيعة، فيثني عليه تارة ويجرحه اخرى، كما جرى عليها القران الكريم، حيث قص حياة الماضين صالحهم وطالحهم لغايات صحيحة، قال سبحانه: ﵟلَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَﵞ [يوسف:7]، وكما قال سبحانه: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت:17]، الى غير ذلك من الايات التي جاءت تنقد سير الماضين وبيان ما هم عليه من الهدى والضلال.. ولا تفرق بين جيل وآخر.

واللعن هو الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق طلب طرد الملعون وإبعاده من الله بلفظ اللعن، لا مطلق السبّ والشتم". كما في قوله تعالى: ﵟإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَﵞ [البقرة:159].

واللعن له محملٌ شرعيٌّ، ولا بدّ من حمله عليه، وإلى هذا المعنى أشار الشوكاني في (إرشاد الفحول)، قال: ((إذا كان للفظ محملٌ شرعيٌّ ومحمل لُغوي فإنه يُحمل على المحمل الشرعي.. وهكذا إذا كان له مسمىً شرعيٌّ ومسمى لغوي، فإنه يُحمل على الشرعي)) [إرشاد الفحول، ج2، ص23].

والمحمل الشرعي لمفهوم اللعن هو الطرد عن جهة الحق وعن الرحمة والخير، فيكون استعمال المادة في طرد الناس وإبعادهم استعمالاً حقيقياً إنْ كان النظرُ إلى كونه في مورد سخطٍ وغضبٍ من جانب الله تعالى بعصيانٍ أو ظلم ونحو ذلك، وليس هو السبّ أو الشتم.

واللعن بمسألةٍ من الناس جاء على لسان القرآن الكريم في قوله تعالى: ﵟثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَﵞ آل عمران61, وفي قوله تعالى: ﵟوَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَﵞ هود 18, وفي قوله تعالى: ﵟرَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراًﵞ الأحزاب , 68.

إذن فاللعن بمسألة الناس هو طلبُ طرد الملعون من رحمة الله لا مطلق السبّ والشتم، كما صرّح بذلك ابن عبد الوهاب في (كتاب التوحيد) رداً على أحد أسلافه حين قال: ((أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السبّ والدعاء)) فاعترض عليه ابن عبد الوهاب قائلاً: ((قلت: الظاهر أنه من الخلق طلب طرد الملعون وإبعاده من الله بلفظ اللعن، لا مطلق السبّ والشتم)) [أنظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، ص211، وانظر: كتاب التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب)].

وقال شارح كتاب التوحيد المتقدِّم ذكره، ما نصُّه: ((السبّ هو الشتم والتقبيح، وهو غير اللعن ... مثال السبّ: أنْ يقول: قبّحه الله، أو يذكر فيه صفات قبيحة)) [المعتصر شرح كتاب التوحيد، علي خضير الخضير، ص278].

والشيعة إذا استعانوا باللعن، كحكم قرآني، إنما يلعنون من لعنه الله ورسوله، ولا يتجاوزون حدود القرآن والسنة في ذلك، ويجرون قواعد الجرح والتعديل على الجميع بما في ذلك الصحابة بغية التثبت والاحتياط للدين كما امر بذلك القران الكريم في قوله تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُواﵞ [الحجرات:6].

وأما السبّ الذي هو ظاهرة أخلاقية منبوذة ومفردة سلوكية مرفوضة من وجهة نظر القران الكريم والسنة النبوية وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فليس ذلك من أخلاق الشيعة الذين ينتسبون الى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأهل البيت الطاهرين (عليهم السلام)، فهم يتحلون بأدب رفيع يعرفه القاصي والداني.

وإن قال قائلهم: لكننا وجدنا بعض الشيعة يسبون بعض الصحابة على المواقع وفي الانترنت.

فنقول: هذه حالات شاذة ونادرة وليست ظاهرة سائدة في المجتمع الشيعي، فالمجتمع الشيعي يقتدي بأئمته ومراجعه وعلمائه، وهم لا يجيزون السب ولا يقبلونه، ومن شذ في تصرفه فتصرفه مردود عليه لا غير، وكما يقول تعالى: ﵟوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىﵞ [الانعام:164]، ونحن - كشيعة - حين ثبت عندنا أن الأمويين سبّوا أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) لمدة سبعين عاما لم نؤاخذ بقية أهل السنة بجريرتهم، بل كان لأئمتنا (عليهم السلام) وفقهائنا - تبعا لأئمتنا - تفريق واضح جدا بين الناصبي وبين غيره من أهل السنة، وأفردوا للأول أحكاما فقهية تغاير الآخر .. وعليه ليس من الأنصاف بمكان أن يؤاخذ الشيعة كلهم بتصرفات نفر شاذ منهم أو فئة تكاد تكون بحكم المعدومة بينهم.

كما أنه من غير الأنصاف قطعا ترتيب آثار الكفر وحلية الدم وسبي الذراري - من بعض فقهاء أهل السنة وخاصة الوهابيين منهم - على الشيعة كلهم، بدعوى سب الصحابة وهم منها براء.. أو توسيع مفهوم السب ليشمل الأمور التأريخية، حين يتعرض الشيعة لبيان عدم أهلية من تسنم الأمور بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كأبي بكر وعمر وعثمان فيذكرون ما ثبت من حقائق التأريخ عنهم، أو حين يقولون إنه لا ينبغي القول بعدالة الصحابة كلهم أجمعين وإخضاعهم جميعا لضوابط الجرح والتعديل كبقية الرواة للسنة النبوية وذلك لما ظهر منهم من الفسق والبغي والانحراف بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبشهادة كتب أهل السنة المعتبرة وصحاحهم، والحكم على الشيعة في مثل هذه الأمور أنهم يسبون الصحابة والحال أنها تدخل في مفهوم النقد لا السب ...

لذا ينبغي - لمن كان عنده دين وعلم وإنصاف - أن يفرق بين السب واللعن والنقد ولا يحمل مفهوما على آخر فيثير الفتنة بين المسلمين بجهله ويفتي من غير علم ولا كتاب منير في مثل هذه الأمور، فيكفر جماعة ويضلل آخرين نتيجة لجهله وخلطه بين هذه المفاهيم.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة