
لماذا خصَّ اللهُ تعالى أبا لهبٍ مِن دون كلِّ مَن آذَوُا النبيَّ الأكرم بذكره وزوجتِه في القرآن الكريم وأنَّهما يعذَّبان في النار؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدُ لله، وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إذا أردْنا الوقوفَ على سبب ذكر القرآن الكريم لـ "أبي لهب" تحديدًا دونَ سائر مَن أذَوُا النبيَّ، (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاربوه، فلا بدَّ لنا مِن التعرُّف على شخصيتِه ومواقفه المعادية للإسلام بنحوٍ مختصَر.
كان أبو لهبٍ ـ واسمُه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم ـ من قريشٍ، وعمَّ النبي، وأحدَ الشجعان في الجاهلية، ومن أشدِّ الناس عداوةً للمسلمين في الإسلام، كان غنيًّا عتيًّا، كبُر عليه أنْ يتبعَ دينًا جاء به ابنُ أخيه، فآذاه، وآذى أنصارَه، وحرَّض عليهم، وقاتلهم، وفيه الآية: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد:1-2]. مات بعد وقعة بدرٍ بأيام.
وفي "أسباب النزول"، قال الواحديُّ: ((لمّا أَنزل اللّه تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} أتى رسولُ اللّه الصفا، فصعَد عليه، ثمَّ نادى «يا صباحاه» فاجتمع إليه الناسُ. فقال: يا بَني عبدِ المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، لو أخبرتُكم أنَّ خيلًا بسفْح هذا الجبلِ تريد أنْ تُغِيْر عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يديْ عذابٍ شديد، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائرَ اليوم، ما دعوتَنا إلا لهذا، فأنزلَ اللّهُ تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) . [أسباب النزول ص378].
وفي الرّواية عن "طارق المحاربي" قال: ((بينَا أنا بسوقِ ذي المجاز إذا أنا بشابٍّ يقول: «يا أيّها النّاس قولوا لا إله إلّا اللهُ تفلحوا». وإذا برجلٍ خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيّها النّاس إنّه كذّاب، فلا تصدِّقوه. فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو محمّدٌ يزعم أنهّ نبيّ. وهذا عمّه أبو لهب يزعم أنّه كذّاب)) [مجمع البيان، للشيخ الطوسي، ج10، ص559].
وفي روايةٍ عن "ربيعة بن عباد" قال: ((كنتُ مع أبي أنظرُ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتبع القبائلَ، ووراءَه رجلٌ أحول وضيءُ الوجه. يقف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على القبيلة، فيقول: «يا بَني فلان. إنّي رسولُ الله إليكم. آمركم أنْ تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأنْ تصدِّقوني، وتمنعوني حتى أُنفِذ عن الله ما بعثني به». وإذا فرغ من مقالته قال الآخرُ من خلفه: يا بَني فلانٍ هذا يريد منكم أنْ تسلخوا اللات والعزى وحلفاءَكم من الجنِّ، إلى ما جاء به من البِدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتَّبعوه. فقلتُ لأبي: مَن هذا؟ قال: عمُّه أبو لهب)) [في ظلال القرآن، ج8، ص697].
وفي روايةٍ أُخرى: ((وكان مِن عظيمِ خطرِ أبي لهبٍ ضدَّ الدعوة الإسلامية أنّه كلما جاء وفدٌ إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسألون عنه عمَّه أبا لهب ـ اعتباراً بكبره وقرابته وأهميته ـ كان يقول لهم: إنّه ساحرٌ، فيرجعون، ولا يلقَونه، فأتاه وفدٌ، فقالوا: لا ننصرفُ حتى نراه، فقال: إنّا لم نزل نعالجه من الجنون فتبًّا له وتعسًا)) [تفسير الفرقان، ج30، ص503].
تدل هذه الروايات بوضوحٍ على أنَّ أبا لهب كان ملازمًا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كظلِّه، يسعى بكلِّ ما أُوتي من قوةٍ لإيذائه وسبِّه بأقبح الألفاظ؛ ولذا كان أشدَّ الناس عداوةً للنبي ورسالته، بل إنه الوحيد الذي لم يوقِّع على ميثاق حماية بَني هاشم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل وقف في صفِّ أعدائه، فهذا الموقفُ الاستثنائي لأبي لهبٍ يفسِّر سبب نزول سورة المسَد لتردَّ على كفره وعدائه بصراحةٍ وقوة.
وأما امرأةُ أبي لهب "أم جميل"، فهي أختُ أبي سفيان، وعمّةُ معاوية، وقد وُصفت في الآية الكريمة بأنها تحمِل الحطب كثيرًا، وفي رقبتِها حبلٌ مِن ليفِ النخيل.
وهنا قد تَسأل: لماذا وصفَها القرآنُ بأنّها حمالةُ الحطب؟
الجواب: قيل: لأنّها كانت تأخذ الحطب المملوء بالشوك، وتضعه على طريق رسول الله (صلى اللهُ عليه وآله وسلم) لتُدمِي قدمَيه. وقيل: إنّه كنايةٌ عن النميمة. وقيل: إنّه كناية عن شدّة البخل، فهي مع كثرة ثروتِها أبتْ أن تساعد الفقراء، وكانت شبيهةً بحمّال الحطب الفقير. وقيل: إنّها في الآخرة تحمل أوزارًا ثقيلة على ظهرها.
وبين هذه المعاني، المعنى الأوّل هو الأنسب، وإنْ كان الجمعُ بينها غيرَ مستبعَد أيضًا. [يُنظر: تفسير الأمثل، ج20، ص539].
وإنْ قلتَ: إن القرآن أخبرَ عن أبي لهب بأنّه سيصلى النّار، أيْ أنّه سيموت كافرًا، ولن يؤمن أبدًا. وبهذا لا يمكن لأبي لهبٍ أنْ يؤمن؛ لأنَّ نبوءة القرآن ستكون عندئذٍ كاذبةً. وإلّا سيكون أبو لهبٍ مجبَرًا على الكفر. وليس له اختيار؟!
الجواب: أن الفلاسفة الإسلاميين أجابوا عن هذا السؤال منذ القديم، وقالوا: إنّ الله سبحانه يعلم ما يفعله كلُّ شخصٍ بالاستفادة من حريتِه واختياره. ففي هذه الآياتِ مثلًا يعلم اللهُ منذ البداية أنّ أبا لهبٍ وزوجتَه سيختاران بإرادتهما وعن رغبتهما طريق الكفر، لا بالإجبار.
وبعبارة أُخرى، إن عنصر الحرية والاختيار أيضًا جزءٌ ممّا هو معلومٌ عند الله تعالى. إنّه على علمٍ بما يعمله العبادُ، وهم مختارون متمتِّعون بالإرادة والحرية.
ومِن المؤكّد أنّ مثل هذا العلم والإخبار عن المستقبل تأكيدٌ على الاختيار، لا على الإجبار. [يُنظر: المصدر نفسه، ج20، ص541].
والحمدُ لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
