
هناك تشكيك من بعض الأشخاص حول صحة سند حديث الكساء عن فاطمة الزهراء عليها السلام وهذا التشكيك يضر المؤمنين كثيرا خصوصا في أوروبا وأمريكا حيث يقطن الآلاف من الشيعة من شبه القارة الهندية وهم ملتزمون بقراءة حديث الكساء عن فاطمة الزهراء عليها السلام. المشككون يقولون انه لم يرويه غير صاحب المعالم الشيخ عبد الله البحراني وصاحب المنتخب الطريحي وهما متأخران. وأنه غير موجود في اي من مصادرنا الحديثية القديمة. أرجو منكم جوابا لرد هذا التشكيك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
ينبغي الإلتفات هنا بأن الصحة السندية وعدمها ليست هي المناط الوحيد في قبول الروايات ورفضها، فقد يكون الحديث ضعيف السند لكن مضمونه صحيح ومقبول بلحاظ الآيات القرآنية وروايات أخرى، وقد يكون الحديث صحيح السند لكن مضمونه مرفوض بلحاظ آيات القرآن الكريم وروايات أخرى.
والخبر الوارد في اجتماع الخمسة الأطهار تحت الكساء في بيت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزّهراء (عليها السّلام) - الذي يقرأ في مجالس المؤمنين منذ قديم الأيّام تبرّكاً به - لا مجال للمناقشة في سّنده ولا في متنه ولا في دلالته.
وإليك سند حديث الكساء عن فاطمة الزهراء (عليها السّلام) من كتاب «عوالم العلوم» للشيخ البحراني المتوفى سنة 1107:
قال المحدّث الثقة الشيخ عبد اللَّه البحراني: ((رأيت بخطّ الشيخ الجليل السيّد هاشم، عن شيخه السيّد ماجد البحراني عن الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني، عن شيخه المقدّس الأردبيلي، عن شيخه علي بن عبد العالي الكركي، عن الشيخ علي بن هلال الجزائري، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلّي، عن الشيخ علي بن الخازن الحائري، عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشهيد الأول، عن أبيه، عن فخر المحقّقين، عن شيخه ووالده العلّامة الحلّي، عن شيخه المحقّق، ابن نما الحلّي، عن شيخه محمّد بن إدريس الحلّي، عن ابن حمزة الطوسي صاحب «ثاقب المناقب» عن الشيخ الجليل محمّد بن شهرآشوب، عن الطبرسي صاحب «الاحتجاج» عن شيخه الجليل الحسن بن محمّد ابن الحسن الطوسي، عن أبيه شيخ الطائفة، عن شيخه المفيد، عن شيخه ابن قولويه القمّي، عن شيخه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم ابن هاشم، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن قاسم بن يحيى الجلّاء الكوفي، عن أبي بصير، عن أبان بن تغلب البكري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عن فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم)) [عوالم العلوم، حياة الزهراء عليها السّلام، ج2، ص930].
وورد مقطع من الحديث في كتاب «غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب أبى الأئمة الأطهار» للشيخ حسن بن محمد الديلمي المتوفّى سنة 841، ونصه: ((لمّا دخلوا تحت الكساء قال سبحانه وتعالى للملائكة: «يا ملائكتي وسكّان سماواتي، ما خلقت سماء مبنيّة، ولا أرض مدحيّة، ولا قمر يسري، ولا فلك يجري، إلّا لأجل الخمسة الذين تحت الكساء». فقال جبرئيل عليه السّلام: يا إلهي وسيّدي ومولاي، ومن تحت الكساء؟ فقال جلّ جلاله: «فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها». فقال: يا ربّ، أتأذن لي أن أنزل إليهم وأبشّرهم وأكون معهم؟ فقال: «نعم». فنزل، وقال: السلام عليكم يا حبيبي يا محمّد، أتأذن لي أن أكون معكم فأكون سادسكم؟ فقال: «نعم، قد أذنت لك». فقال: يا حبيبي يا محمّد، ربّك يقرئك السلام ويخصّك بالتحيّة والإكرام ويقول: «وعزّتي وجلالي وعلويّ وارتفاعي، ما خلقت سماء مبنيّة، ولا أرضا مدحيّة، ولا شمسا، ولا قمرا، ولا نجما، ولا جنّة، ولا نارا إلّا لأجلكم»)) [غرر الأخبار ودرر الآثار، ص298-299].
وقد أورد آية اللَّه السيّد المرعشي رواية حديث الكساء عن الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) في تعاليق كتاب «إحقاق الحق» حيث قال: ((أنقلها من رسالة العالم الجليل الحجّة الزاهد الحاج الشيخ محمد تقي ابن الحاج الشيخ محمد باقر اليزدي البافقي نزيل قم)) [شرح إحقاق الحق، ج2، ص533].
ثم يقول: ((وقد نُقل هذا الحديث مسنداً في كتاب «عوالم العلوم» وهو من الكتب المعتبرة التي لم تطبع وتنشر لحد الآن)).
ويضيف قائلًا: ((ثمّ طلبت من الفاضل الجليل الحجّة الشيخ محمد الصّدوقي اليزدي أن يستكتب من نسخ «العوالم» سند الحديث ومتنه)).
ثم يقول بعد ذلك: ((وممن نقل المتن العلّامة الجليل الثقة الثبت شيخنا فخر الدين محمد علي الطريحي... وممّن يوجد في كلماته هذا المتن العلّامة الجليل الديلمي صاحب الإرشاد في كتابه الغرر والدرر، فيوجد فيه ما يقرب من نصف الخبر)).
ثم يقول السيّد المرعشي: ((وكذا الحسين العلوي الدمشقي الحنفي من أسرة نقباء الشّام، وقد رأيته بخطِّه)) [شرح إحقاق الحق، ج2، ص557-558].
وهذا القدر كافٍ للوثوق بوقوع القضيّة وصدور الخبر، فلا مجال للمناقشة في سّنده. [ينظر: مع الأئمة الهداة في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، ج٢، السيد علي الميلاني، ص١٩٣].
قال آية الله الميرزا جواد التبريزي (طاب ثراه)، في جواب سؤال: ((هل ثبت لديكم حديث الكساء بسند صحيح؟ وما هو ثواب قراءة هذا الحديث؟
الجواب: حديث الكساء مشهور والثواب المنقول يعطى للقارئ والمتوسل بقراءته وبمن ورد في حقهم الحديث إلى الله سبحانه وتعالى عند الحاجات والله العالم)). [الأنوار البهية في المسائل العقائدية:97].
ويقول العلامة السيد محمد الحسيني الميلاني: ((وأروي حديث الكساء بسند صحيح متصل عن جابر بن عبد الله)) [الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء، للخوئيني، ج19، ص459].
ونقل العلامة السيد عباس الكاشاني كلام الطباطبائي اليزدي موضحا أنه ممن جنحت كلمتهم إلى صحة حديث الكساء المشهور، حيث قال: ((ومنهم آية الله الفقيه المتلاطم السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب العروة فإنه طاب ثراه قد جنح إلى صحته وصدوره في كتابه السؤال والجواب...)) [مصابيح الجنان، ص826].
ثم قال: ((ونحن نروي هذا الحديث الشريف بشتى الطرق من أرباب الحديث ومشايخ الرواية وقد ذكرنا طرقنا العديدة في كتابنا المسلسلات وهنا ننقل الحديث الشريف بحق إجازتنا من العوالم بحذف أسانيده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري «رض»)) [المصدر نفسه].
وأيضاً لا مجال للمناقشة في متنه ولا في دلالته، قال آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ((لا إشكال خاصّ في مضمون الحديث ويرى بعض الأعلام أهمّية قراءته واستناداً لـ«أحاديث من بلغ» فإنّه يمكن قراءته بقصد رجاء المطلوبية والأمل في قضاء الحاجات)) [المفاتيح الجديدة، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ص٨٢٦].
إن قيل: إنَّ كبار علماء الفريقين لم يرووا قضية حديث الكساء، بالمتن الموجود بأيدينا!!
أجاب السيد الميلاني في كتابه [الأئمة الهداة، ج2، ص195] عن هذا الاعتراض بالآتي:
«من قال إنّ علماء الفريقين لم يرووا ذلك؟ ومن المحتمل جدّاً أن تصل إلى أيدينا في مستقبل الأيام كتب لم تكن قد وصلتنا لسبب من الأسباب، أو تطبع وقد كانت مخطوطة ولم تنشر لحدِّ الآن.
أين كتاب «مدينة العلم» للشيخ الصدوق، من كتب أصحابنا؟
وأين كتاب «الأحداث» لأبي الحسن المدائني، من كتب غيرنا؟
أين مئات الكتب من هذا القبيل؟
ولماذا حالوا دون وصول هذه الكتب إلينا؟!
ولماذا لم تصل بعض فصول «تاريخ البلاذري» إلى أيدينا، إلّا في السنوات الأخيرة؟
ولماذا لم يطبع وينشر «تاريخ ابن عساكر» إلّا أخيراً، مع إنّه محشوٌ بالأباطيل؟
وعندما طبَعَ أهل السُنَّة كتاب «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ونشروه، لم ينشروا المجلد الخاص بالحسنين عليهما السلام، لماذا؟!
إذن، فمن أين نتيقن أنَّ حديث الكساء غير موجود في تلك الكتب التي لم تصل إلى أيدينا؟
فبأي دليل يقال ببطلان قضيّة حديث الكساء في بيت الزّهراء الطّاهرة (عليها السّلام)، وأنّها فاقدة للمصدر ولا أصل لها؟
هذا، فضلًا عن الكتب الكثيرة التي أتلِفَت فلم يبق لها عين ولا أثر، خاصّةً في أحوال الرّسول وأهل بيته، وحوادث صدر الإسلام!! ولذا، فإنَّ نفي أو إثبات الأمور بهذه الطريقة باطلٌ».
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
