
سيدنا علي كرم الله وجهه الوحيد بين الصحابة لقِّب بالإمام لعلمه، وهو ثاني رجل بالعلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان سيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستشيرانه، فكان المستشار الديني لأمور الدولة، ولكن ليس الخليفة من بعده؛ لأن الخلافة شورى، "وأمرهم شورى بينهم"، ولا يوجد أمر أهم من الخلافة، والدين الإسلامي ليس حكرًا على بيت النبوة بل للعالمين، فهو ليس كالشرائع السابقة، "السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم، ورضوا عنه" آية صريحة وصفعة لمن يتطاول عليهم.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
هذا الطرح بمثابة قشةٍ يتشبّث بها من أوشك على الغرق، ونحن إنما نتعاطف مع من أوشك على الغرق لظنه بالقشة أنها وسيلةُ نجاته من الهلاك المحتَّم، معرضًا عن ركوب سفينة النجاة التي ترسو بجانبه!!
فأنت تعتقد بأن عليًّا (عليه السلام) هو من لُقّب بالإمام دون من سواه من الصحابة، وتعتقد بأنه أعلم الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعتقد – أيضًا – أن جميع الصحابة يرجعون إليه (عليه السلام) ويستشيرونه في أمور الدين والدنيا بنحو مطلق.. إلى هنا أنت في الطريق الصحيح.
أما قولك (ولكن ليس الخليفة من بعده؛ لأن الخلافة شورى، "وأمرهم شورى بينهم" ولا يوجد أمر أهم من الخلافة والدين الإسلامي)!
فجوابه: أمّا كون الخلافة شورى فهي دعوى لا دليل عليها مطلقًا، لا من الكتاب ولا السنّة الصحيحة، بل الدليل على خلافها، ويدلّ على ذلك أُمور:
١ ـ أنّ الشورى في الخلافة تسبّب الاختلاف والتنازع؛ وهذا ما وقع في سقيفة بني ساعدة، وقد تعرضت كتب التاريخ لأحداث السقيفة ووقائعها وما جرى فيها بين الصحابة من لغط وسباب وتهديد بالقتل، واستمرّ الخلاف بسبب ذلك إلى يومنا هذا، مع أنّ غايات الشارع المقدّس إغلاق كلّ باب يؤدّي إلى النزاع، وسدّ كلّ ثغرة تؤدّي إلى الخلاف. [يُنظر: الكامل في التاريخ، ج٢، ص٣٢٥؛ وتاريخ الطبري، ج٢، ص٤٤٥؛ الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ص١٢].
وعليه، فلا يمكن أن يفتح الله للمسلمين بابًا يؤدّي إلى الفُرقة مع إمكان النصّ على الخليفة الّذي تجتمع عليه الأُمّة، وتتّحد به الكلمة، ولعلّه لذلك قال الشيخ أبو عليّ بن سينا: والاستخلاف بالنصّ أصوب؛ فإنّ ذلك ـ أي الشورى ـ يؤدّي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف. [يُنظر: إلهيات الشفاء، ص٥٦٤].
2 - وأمّا قوله تعالى : ﵟوَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِﵞ، وقوله: ﵟوَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْﵞ، الّذي يستدلّ بهما أهل السُّنّة، فلا يراد بهما الشورى في الخلافة، وإلّا لكان على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يشاور أصحابه في اختيار الخليفة من بعده، مع أنّه لم يفعل ذلك بالاتّفاق، وإنّما كان يشاور أصحابه في ما يتعلّق بمصالح الحروب وغيرها، أكد ذلك كبار مفسري علماء أهل السُّنة، منهم:
فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦هـ)، قال في سياق تفسيره للآية: ((قال الكلبي وكثير من العلماء: هذا الأمر ـ أي في {وَشَاوِرْهُمْ} ـ مخصوص بالمشاورة في الحروب)) [تفسير الرازي، ج9، ص410، ط. دار إحياء التراث العربي].
أبو عبد الله القرطبي (تـ 671هـ)، قال في تفسير الآية: ((وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلّقة بمصالح الحروب)) [تفسير القرطبي - الجامع لأحكام القرآن -، ج16، ص37، تـ. أطفيش].
وابن كثير الدمشقي (تـ ٧٧٤هـ)، قال في تفسير الآية: ((كان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها)) [تفسير ابن كثير، ج2، ص149، تـ. سلامة].
3 ـ على رغم استدلال علماء أهل السُّنة بالآيتين على الشورى في الخلافة، إلا أنها لم تتمّ بالشورى بمعناها الذي شاع بينهم؛ إذ إنّ اختيار أبي بكر حدث في سقيفة بني ساعدة، وعامّة المهاجرين لم يكونوا حاضرين فيها، ولهذا قال عمر: ((إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرّها، أي تمّت بلا تدبّر ولا تروٍّ)) [يُنظر: صحيح البخاري، ج٨، ص٢٦، كتاب المحاربين من أهل الردّة والكفر، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أُحصنت].
وأما خلافة عمر بن الخطاب فالمشهور أنها لم تكن بمشورة المسلمين، وإنما كانت بوصية من أبي بكر.
وأمّا خلافة عثمان بن عفان، فقد كانت باختيار اثنين من ستّة نفر، حصر عمر الشورى فيهم، مع أنّ الشورى الّتي نحن بصددها للمسلمين عامّة، لا لهؤلاء النفر خاصّة!!
والنتيجة : أنّ مسألة الشورى لا دليل صحيح يدلّ على أنّها من شرائع الإسلام! ولو كانت كذلك لبُيّنت أحكامها وحدودها؛ فإنّ أبرز أُسسها ـ وهو: مَن يدخل في الشورى ومَن لا يدخل ـ اختلف علماء أهل السُّنّة فيه على أقوال كثيرة:
منها: أنه لا يدخل في الشورى إلّا أهل المدينة.
ومنها: لا يدخل إلا خصوص الصحابة.
ومنها: لا يدخل إلا أهل الحلّ والعقد.
ومنها: يدخل جميع المسلمين، وقيل غير ذلك.
فهذا حكمٌ واحد من أحكامها، فكيف بسائر أحكامها؟!
وهذا دليلٌ واضح على أنّ مسألة الشورى في اختيار الخلفاء إنّما وضعها الناس من عند أنفسهم، ولهذا قال القرطبي: ((وقد جعل عمر رضي الله عنه الخلافة ـ وهي أعظم النوازل ـ شورى)) [الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ج4، ص251].
وقد صرح د. أحمد صبحي في كتابه "نظرية الإمامة" وهو أحد أعلام أهل السنة، قائلًا:
((هذه أدلة متكلّمي الشيعة الاثني عشرية في نقد مبدأ الاختيار وإثبات وجود النص على الإمامة، فما كان موقف أهل السُّنة إزاءها ... أما إزاء الدفاع عن مبدأ الاختيار فلم يكن موقفهم متماسكًا موحدًا، ويرجع ذلك إلى اختلاف آرائهم في كيفية الاختيار ... ومع كل ذلك لا نجد عند متكلمي أهل السنة موقفًا مجمعًا عليه، الأمر الذي يسّر على الشيعة نقد دعوى الاختيار من أساسها وإثبات تهافتها، فضلًا عن عدم انطباقها في الواقع إلا حين اختير أبو بكر ... فلقد كان في واقع التاريخ الإسلامي ما التمس فيه الشيعة نقط الضعف لتركيز هجومهم على أسلوب اختيار الخلفاء ... )).
ثم يستطرد في القول: ((ولا شك أنّ أدلة الشيعة جديرةٌ بالاعتبار، ولا شك أيضًا أنّ انتقاداتهم المتتالية لمبدأ الاختيار لها ما يبررها ... كل ذلك مما يجعل للأدلة الشيعية وانتقاداتهم لمبدأ الاختيار بعض الاعتبار)) [نظرية الإمامة، أحمد محمود صبحي، ص97 - 99].
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
