مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

إشكال عدم وجود نصٍّ قرآنيٍّ يثبت غَيبة الإمام المهديّ (ع)

السائل رؤى مروان النشر القراءة 6 دقيقة المشاهدات 449 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

نريد من الشيعة أن يأتوا لنا بنصٍّ من القران الكريم يثبت غَيبة مهديّهم، وإلا فلا غَيبة ولا مهديّ غائب!!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

لا بد أن تعلم، ويعلم كل مسلم أن القرآن الكريم لا يذكر لنا تفاصيل الموضوعات دائمًا، بل يذكر الكلّيات والعمومات على نحوٍ مجمل، ويترك البيان للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يشيرُ إلى ذلك الكريم بقوله: ﵟوَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْﵞ [النحل:44]، فلو كان كلّ شيء في القرآن مبيَّناً بتفاصيله لكان ذكر هذه الآية في القرآن الكريم عبثًا، ولا موجب له، فالقرآنُ الكريم مثلًا يقول لنا: ﵟأَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًاﵞ [الإسراء:78]، ولكنّه لم يذكر لنا كيفية أداء هذه الصلاة من القراءة والركوع والسجود وعدد ركعات الصبح أو الظهر أو العصر وغيرها، إلا أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تكفّل ببيان تفاصيل تلك الموضوعات من نحو قوله: ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي)) [صحيح البخاري، ج1، ص154؛ الانتصار، للمرتضى، ص152].

والحال ذاته في ما يتعلّق بالإمام المهدي (عليه السلام)، فقد تعرّض القرآن الكريم إلى ذكره (عليه السلام) في آية صريحةٍ، ذُكرت في ثلاث سور، وقد فسّرها المسلمون جميعهم بأنّها في المهدي (عليه السلام)، وهي قوله تعالى: ﵟهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِﵞ [التوبة:33، الفتح:28، الصف:9].

قال الطبري في تفسيره للآية الكريمة: ((عن أبي هريرة في قوله: ليظهره على الدّين كلّه، قال: حين خروج عيسى بن مريم)) [تفسير الطبري، ج10، ص150]، ومعلوم أنّ خروج عيسى (عليه السلام) يكون عند ظهور المهديّ (عليه السلام)، كما يشهد لذلك البخاريّ وغيره.

فقد روى البخاري في صحيحه: ((عن نافع مولى أبى قتادة الأنصاري أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم)) [صحيح البخاري، ج4، ص143].

قال ابن حجر في "فتح الباري": ((وكلّهم ـ أي المسلمون ـ ببيت المقدس، وإمامهم رجلٌ صالحٌ قد تقدّم ليصلّي بهم، إذ نزل عيسى، فرجع الإمام ينكص ليتقدّم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه، ثمَّ يقول: تقدّم؛ فإنّها لك أقيمت. وقال أبو الحسن الخسعي الأبدي في مناقب الشافعي: تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلّي خلفه)). [فتح الباري، ج6، ص358].

وأمّا غَيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، فقد ذكرها من الشيعة الإمامية بسند صحيح الشيخ الصدوق (عليه الرحمة) عن النبيّ صلى الله عليه واله في كتابه "كمال الدين"، قال: ((حدّثنا أبي، ومحمّد بن الحسن، ومحمّد بن موسى المتوكل رضي الله عنهم، قالوا: حدّثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمّد بن يحيى العطار جميعًا، قالوا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، وإبراهيم بن هاشم، وأحمد بن أبي عبد الله البرقي، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطاب جميعًا، قالوا: حدّثنا أبو علي الحسن بن محبوب السرّاد، عن داود بن الحصين، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقًا وخُلقًا، تكون له غَيبة وحيرة حتّى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يُقبِل كالشهاب الثاقب، فيملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا)) [كمال الدين، ج1، ص287]، وهذه الرواية صحيحة السند؛ لوثاقة جميع رجالها حسب مباني علماء الشيعة الإمامية.

ويمكن إثبات غَيبة الإمام المهدي (عليه السلام) من طريق أهل السنّة، وذلك بحديث الثقلين الصحيح المتضافر الذي جاء فيه: ((إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، حبل ممدود ما بين الأرض والسماء، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض)) [صحيح الجامع الصغير، للألباني، ج1، ص482؛ مسند أحمد بن حنبل، برقم:21654، تصحيح شعيب الأرنؤوط].

فهذا الحديث يكشف عن لزوم وجود متأهِّل من أهل البيت (عليهم السلام) في زماننا، لا يفارق القرآن، ولا يفارقه، كما نصَّ على ذلك علماء أهل السنّة عند شرحهم للحديث المذكور، ومنهم المناوي الشافعي في "فيض القدير" في شرح حديث الثقلين، قال: ((تنبيه: قال الشريف - يقصد الحافظ السمهودي -: هذا الخبر يُفهِم وجود من يكون أهلًا للتمسك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كلّ زمن إلى قيام الساعة حتّى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به، كما أنَّ الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أمانًا لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض)) [فيض القدير، ج3، ص15].

ويروي الحافظ الحنفي في كتابه "ينابيع المودّة" عن ابن عباس أنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ عليًّا وصيّي، ومن ولده القائم المنتظر المهديّ الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، والذي بعثني بالحقّ بشيرًا ونذيرًا، إنَّ الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزُّ من الكبريت الأحمر، فقام إليه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غَيبة؟ قال: إيْ وربي، ليمحّص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين)) [ينابيع المودّة، ج3، ص297].

وعن العلّامة الأوحد - كما يصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج23، ص239- كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي في الباب الثاني عشر من كتابه "مطالب السؤول في مناقب آل الرسول"، وهو يتحدث عن الإمام المهدي (عليه السلام): ((وأمّا عمره فإنّه ولد في أيام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن، فلم يمكن ذكر ذلك إذ من غاب ـ وإن انقطع خبره ـ لا توجب غَيبته وانقطاع خبره الحكم بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله واسعة، وحكمه وألطافه بعباده عظيمة عامّة ... وليس ببدعٍ ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين، ولا امتداد عمره إلى حين، فقد مد الله تعالى أعمار جمعٍ كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن مطروديه وأعدائه، فمن الأصفياء: عيسى (عليه السلام)، ومنهم الخضر، وخلق آخرون من الأنبياء، طالت أعمارهم، حتى جاز كل واحد منهم ألف سنةٍ أو قاربها، كنوح (عليه السلام) وغيره)) [مطالب السؤول، ص489].

وعن النسابة العمري المشهور – وهو من أعلام القرن الخامس الهجري – قال في كتابه "المجدي في أنساب الطالبيين" ما نصّه: ((ومات أبو محمد عليه السلام، وولده من نرجس عليها السلام معلوم عند خاصة أصحابه وثقات أهله، وسنذكر حال ولادته والأخبار التي سمعناها بذلك، وامتُحن المؤمنون ـ بل كافة الناس ـ بغيبته، وشرِه جعفر بن علي إلى مال أخيه وحاله، فدفع أنْ يكون له ولد، وأعانه بعض الفراعنة على قبض جواري أخيه)) [المجدي في أنساب الطالبيين، ص130].

وعن نسابة المدينة الشريف أنس بن يعقوب الكتبي، قال في كتابه "الأصول في ذرية البضعة البتول" ما نصه: ((ومن الثابت عند أهل العلم من متقدّمين ومتأخرين انقطاع خبره، وعدم معرفة قبره ولا مكانه ... (إلى أن يقول) ومن التحاليل السابقة، والتي استقصيناها من الكتب المعتمدة التي تؤكد لنا صحّة اختفاء الإمام المهدي في سنّ مبكر وعدم ظهوره، فلم يكن له عقب بالإجماع، وهذا ما أثبتته كتب الأنساب والمشجّرات المتقدّمة المعتمدة، بأنْ ليس له عقب بإجماع كبار النسابين، وبذلك لم يُعرف مكانه ولا ذراريه)). [الأصول في ذرية البضعة البتول، ص99- 100].

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة