
حين قال إمامنا وسيدنا علي بن أبي طالب لسيدتنا فاطمة الزهراء: .. رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .. " لا تكوني عذابًا " كتاب بحار الأنوار - المجلسي - جزء 30 - صفحة 294، فهل ذلك طعنٌ في بنت رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه..!!؟ ننتظر الإجابة.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
هذا المقطع (لا تكوني عذابًا) ورد في ضمن روايةٍ نقلها العلامة المجلسي في موسوعته "بحار الأنوار"، جاء فيها أن عمر بن الخطاب قال معترفًا بجنايته مقرًّا بفعلته: ((قد جنيتُ جنايةً عظيمةً، لا آمنُ على نفسي. وهذا عليٌّ قد برز من البيت، وما لي ولكم جميعًا به طاقة. فخرج عليٌّ، وقد ضربتْ يديها [أي الزهراء] إلى ناصيتها لتكشف عنها، وتستغيث بالله العظيم ما نزل بها، فأسبل عليٌّ عليها ملاءتها، وقال لها: يا بنت رسول الله! إنّ الله بعث أباك رحمةً للعالمين، وايم الله لئن كشفتِ عن ناصيتك سائلةً إلى ربك لِيُهلك هذا الخلق لأجابك حتى لا يبقى على الأرض منهم بشرًا؛ لأنكِ وأباك أعظم عند الله من نوحٍ (ع) الذي غرق من أجله بالطوفان جميعُ مَن على وجه الأرض وتحت السماء إلا مَن كان في السفينة، وأهلَكَ قوم هودٍ بتكذيبهم له، وأهلك عادًا بريحٍ صرصرٍ، وأنتِ وأبوك أعظم قدرًا من هودٍ، وعذب ثمود - وهي اثنا عشر ألفًا - بعقر الناقة والفصيل، فكوني - يا سيدة النساء - رحمةً على هذا الخلق المنكوس "ولا تكوني عذابًا"، واشتدّ بها المخاض، ودخلت البيت، فأسقطت سقطًا، سمّاه عليٌّ : محسنًا...)) [بحار الأنوار، ج30، ص294].
فالمقطع المذكور هو في الواقع يشير إلى شيءٍ مغاير تمامًا لما طُرِح في السؤال. إنه يمثل تصوُّرًا لمكانة السيدة الزهراء (عليها السلام) عند الله سبحانه ومدى مقبولية دعائها واستجابة الله لها ، فمعنى (لا تكوني عذابًا) أي: لا تكوني سببًا في عذاب هذه الأمة بدعائك عليهم.
فقد روتْ صحاح المسلمين حديثًا متواترًا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ((فاطمة بضعةٌ مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله)) [صحيح البخاري، ج2، ص206]، وقد صرح القرآن الكريم بلعن كل من آذى الله ورسوله، فقال تعالى: ﵟإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًاﵞ [الأحزاب:57].
فاللعن في الدنيا والآخرة والعذاب المهين، هذا كله في حال إيذائها (عليها السلام) من دون أن تدعوَ على من آذاها، فما بالك لو رفعتْ يدها بالدعاء على من آذاها!!
فقد جاء في "المناقب" و"الاحتجاج"، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّه قال: ((لما استُخرج أمير المؤمنين عليه السلام من منزله خرجت فاطمة صلوات الله عليها خلفه، فما بقيت امرأة هاشميّة إلّا خرجت معها، حتّى انتهت قريبًا من القبر، فقالت لهم: خلّوا عن ابن عمّي، فوالذي بعث محمّدًا أبي بالحقّ إن لم تخلّوا عنه لأنشرنَّ شعري، ولأضعنّ قميص رسول الله على رأسي، ولأصرخنّ إلى الله تبارك وتعالى، فما صالحٌ بأكرمَ على الله من أبي، ولا الناقةُ بأكرم منّي، ولا الفصيلُ بأكرم على الله من ولديَّ!
قال سلمان رضي الله عنه: كنت قريبًا منها، فرأيت ـ والله ـ أساس حيطان مسجد رسول الله تقلّعت من أسفلها، حتّى لو أراد رجلٌ أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوتُ منها، فقلت: يا سيّدتي ومولاتي، إنّ الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمةً، فلا تكوني نقمةً، فرجعتْ، ورجعتِ الحيطان حتّى سطعتِ الغبرةُ من أسفلها، فدخلتْ في خياشيمنا)). [المناقب لابن شهر آشوب، ج٣، ص٣٤٠؛ الاحتجاج، للطبرسي، ج1، ص113].
إذًا، وبغضِّ النظر عن صحة الروايتين أو عدمها، فمعنى (لا تكوني عذابًا) أي: لا تكوني سببًا في عذاب هذه الأمة بدعائك عليهم، وفي قول سلمان (فلا تكوني نقمةً) أي: لا تكوني سببًا في نزول النقمة على هذه الأمة، لا سيما وقد شاهد سلمان أثر ذلك على جدران مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ارتجاجٍ واهتزازٍ على ما أشارتْ إليه الرواية.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
