
يَظهر بين الحين والآخر قولٌ تتبنّاه جماعةٌ تُسمّي نفسها بـ(القرآنيّين)، يدّعون فيه أنّ الصلاةَ في حقيقتها ليستْ عبادةً ذاتَ أوقاتٍ وهيآت معروفةٍ، ولا يشترطون لها طهارةً من حدثٍ أكبر أو أصغر، ولا يرون لركوعٍ أو سجودٍ أو قيامٍ مدخلًا في معناها، بل يذهبون إلى أنّ الصلاةَ في القرآن لا تعني سوى الدعاء فحسب، وأنّ ما عليه عموم المسلمين من أداء الصلاة بأوقاتها وأفعالها هو تكلّفٌ لا يدلّ عليه كتابُ الله.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
القول بأنّ الصلاة في القرآن ليستْ إلّا دعاءً، هو قولٌ لا يحتمله ظاهرُ الكتاب؛ لأنّ القرآن نفسَه أعطى للصلاة طبيعةً ووظيفةً وشروطًا لا تنطبق على الدعاء بأيّ شكلٍ.. والدعاءُ في القرآن متاحٌ في كل حالٍ، ولا يحتاج إلى استعدادٍ خاصٍّ ولا خروجٍ من حدثٍ أكبر أو أصغر، ولا يرتبط بزمانٍ دون زمانٍ، ولا بجهةٍ دون جهة.
أمّا الصلاة فالقرآن يربطها بجملةِ أحكامٍ وشروطٍ تُثبت أنّها عبادةٌ قائمةٌ بذاتها، وليستْ مجرّدَ دعاء.
فأول ما يواجه هذا الزعم قوله تعالى: ﵟإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ… وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواﵞ [المائدة:6]. فهذه الآية تجعلُ الطهارة شرطًا للدخول في الصلاة، وترفع الحدثَين الأصغر والأكبر قبل أدائها، وهذا لا يمكن حمْله على الدعاء؛ لأن الدعاء ـ في لسان القرآن وفي الوجدان ـ لا يحتاج إلى غَسلِ وجهٍ ولا غُسلِ جنابةٍ، ولا يُقال للإنسان: (لا تدعُ ربّك وأنت جنُب)!!.
فوجودُ هذا الشَّرط وحدَه كافٍ في إخراج الصلاة عن نطاق الدعاء وجعْلها عبادةً منفصلةً.
ثم تأتي الآيات التي تُعلِّقُ الصلاة بأوقاتٍ محدَّدةٍ، مثل قوله سبحانه: ﵟأَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًاﵞ [الإسراء:78]، وقوله: ﵟفَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًاﵞ [النساء:103].
فالتوقيتُ لا معنى له لو كانتِ الصلاةُ دعاءً؛ لأن الدعاء لا يُقيَّد بزوال شمسٍ ولا بغسق ليلٍ ولا بفجرٍ، بل يكون في كل وقتٍ بلا حدٍّ.
ويُضيف القرآن شرطًا آخرَ يتنافى مع دعوى أنّ الصلاة دعاءٌ، وذلك حين يقول: ﵟحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىﵞ [البقرة:238]؛ لأن الدعاء لا يحتاج إلى محافظةٍ ولا ملازمةٍ، وإنما هو حاجةٌ تنشأ في قلب العبد في أيِّ ساعةٍ.
أما الصلاةُ التي جعَلَها القرآن {كِتَابًا مَوْقُوتًا} فهي عبادةٌ لها انتظامٌ، وهذا الانتظام هو الذي يحتاج إلى محافظةٍ.
ويكشف القرآنُ عن أثرٍ خاصٍّ للصلاة لا يحصَل بمجرَّد الدعاء، بقوله سبحانه: ﵟوَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِﵞ [العنكبوت:45].
وهذا الأثرُ - الانتهاء عن الفحشاء والمنكر - لا يستقيمُ مع الدعاء المعروف؛ لأن الدعاء قد يصدر من الإنسان مرارًا، ولا يغيِّر من سلوكه شيئًا، فلا يُقال: (إنّ مجرَّد الطلب ينهى عن الفحشاء)!!.
أمّا الصلاةُ بوصفها عبادةً منتظمةً، يلتزم بها الإنسانُ يوميًا، فهي تُحدِث في النفس من آثار التهذيب ما لا يترتّبُ على مجرَّد الدعاء وحده.
وقد عبّر القرآنُ الكريمُ عن الصلاة بكونها قيامًا وقنوتًا بقوله: ﵟوَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَﵞ [البقرة:238]. وهذا القيامُ لا معنى له لو كانتِ الصلاة دعاءً؛ لأنّ الدعاء لا يفتقر إلى قيامٍ مخصوصٍ، ولا إلى قنوتٍ يحتاجُ فيه العبدُ إلى طول مقامٍ بين يدي الله سبحانه، بل يصدُر منه، وهو جالس أو مضطجعٌ أو ماشٍ.
فوجودُ القنوت والقيامِ يجعل الصلاة عبادةً لها هيأةٌ مخصوصةٌ، لا أنها مجرَّد كلمات وألفاظ تُقال.
ويؤكِّد القرآن هذا التمايُز حين يميّز بين الصلاة الواحدة وغيرها بقوله: ﵟحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىﵞ [البقرة:238]، فاختصاصُ صلاةٍ بأنها الوسطى يدلُّ على تعدُّد الصلوات وترتيبها، وهذا لا يكون في الدعاء؛ لأن الدعاء لا ينقسم إلى وسطى وغيرها، ولا يُتصوّر له عدد ولا مراتبُ من هذا القبيل.
فتقسيم القرآنِ نفسِه للصلاة يُثبت اختلاف ماهيّة الصلاة عن الدعاء.
ومجموع هذه الآيات ـ وهي آياتٌ محكمةٌ صريحة ـ يجعل الصلاة في القرآن عبادةً ذاتَ شروطٍ وأوقات وآثار وأفعال لا يمكن حملُها على الدعاء بأيِّ وجهٍ، ومَن حمَلها على الدعاء فقد عطّل هذه الآيات كلَّها بلا دليلٍ، وصرَفها عن ظاهرها المتبادَر من لسان العرب الذي نزل به القرآنُ.
فالنتيجة أنّ الصلاة في القرآن الكريم عبادةٌ لها صورةٌ ومعنى مستقلّ، وليس مجرَّد دعاءٍ، وهذا التمييز ثابتٌ بظاهر الكتاب نفسه، وهو وحدَه كافٍ في ردّ هذه الدعوى، وهو حجةٌ على المدَّعي شاء أم أبى.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
