مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

نقضُ دعوى القرآنيّين في إلغاء هيأة الصلاة وشروطِ الطهارة

السائل حسن الأديب النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 44 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يَظهر بين الحين والآخر قولٌ تتبنّاه جماعةٌ تُسمّي نفسها بـ(القرآنيّين)، يدّعون فيه أنّ ‏الصلاةَ في حقيقتها ليستْ عبادةً ذاتَ أوقاتٍ وهيآت معروفةٍ، ولا يشترطون لها طهارةً من حدثٍ ‏أكبر أو أصغر، ولا يرون لركوعٍ أو سجودٍ أو قيامٍ مدخلًا في معناها، بل يذهبون إلى أنّ الصلاةَ ‏في القرآن لا تعني سوى الدعاء فحسب، وأنّ ما عليه عموم المسلمين من أداء الصلاة بأوقاتها ‏وأفعالها هو تكلّفٌ لا يدلّ عليه كتابُ الله.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

القول بأنّ الصلاة في القرآن ليستْ إلّا دعاءً، هو قولٌ لا يحتمله ظاهرُ الكتاب؛ لأنّ القرآن نفسَه ‏أعطى للصلاة طبيعةً ووظيفةً وشروطًا لا تنطبق على الدعاء بأيّ شكلٍ.. والدعاءُ في القرآن ‏متاحٌ في كل حالٍ، ولا يحتاج إلى استعدادٍ خاصٍّ ولا خروجٍ من حدثٍ أكبر أو أصغر، ولا ‏يرتبط بزمانٍ دون زمانٍ، ولا بجهةٍ دون جهة. ‏

أمّا الصلاة فالقرآن يربطها بجملةِ أحكامٍ وشروطٍ تُثبت أنّها عبادةٌ قائمةٌ بذاتها، وليستْ مجرّدَ ‏دعاء.‏

فأول ما يواجه هذا الزعم قوله تعالى: ﵟإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ‏الْمَرَافِقِ… وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواﵞ [المائدة:6]. فهذه الآية تجعلُ الطهارة شرطًا للدخول في ‏الصلاة، وترفع الحدثَين الأصغر والأكبر قبل أدائها، وهذا لا يمكن حمْله على الدعاء؛ لأن ‏الدعاء ـ في لسان القرآن وفي الوجدان ـ لا يحتاج إلى غَسلِ وجهٍ ولا غُسلِ جنابةٍ، ولا يُقال ‏للإنسان: (لا تدعُ ربّك وأنت جنُب)!!.‏

فوجودُ هذا الشَّرط وحدَه كافٍ في إخراج الصلاة عن نطاق الدعاء وجعْلها عبادةً منفصلةً.‏

ثم تأتي الآيات التي تُعلِّقُ الصلاة بأوقاتٍ محدَّدةٍ، مثل قوله سبحانه: ﵟأَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ‏إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًاﵞ [الإسراء:78]، وقوله: ﵟفَأَقِيمُوا ‏الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًاﵞ [النساء:103]. ‏

فالتوقيتُ لا معنى له لو كانتِ الصلاةُ دعاءً؛ لأن الدعاء لا يُقيَّد بزوال شمسٍ ولا بغسق ليلٍ ولا ‏بفجرٍ، بل يكون في كل وقتٍ بلا حدٍّ.

ويُضيف القرآن شرطًا آخرَ يتنافى مع دعوى أنّ الصلاة دعاءٌ، وذلك حين يقول: ﵟحَافِظُوا عَلَى ‏الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىﵞ [البقرة:238]؛ لأن الدعاء لا يحتاج إلى محافظةٍ ولا ملازمةٍ، ‏وإنما هو حاجةٌ تنشأ في قلب العبد في أيِّ ساعةٍ. ‏

أما الصلاةُ التي جعَلَها القرآن {كِتَابًا مَوْقُوتًا} فهي عبادةٌ لها انتظامٌ، وهذا الانتظام هو الذي ‏يحتاج إلى محافظةٍ.‏

ويكشف القرآنُ عن أثرٍ خاصٍّ للصلاة لا يحصَل بمجرَّد الدعاء، بقوله سبحانه: ﵟوَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ ‏الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِﵞ [العنكبوت:45].

وهذا الأثرُ - الانتهاء عن الفحشاء والمنكر - لا يستقيمُ مع الدعاء المعروف؛ لأن الدعاء قد ‏يصدر من الإنسان مرارًا، ولا يغيِّر من سلوكه شيئًا، فلا يُقال: (إنّ مجرَّد الطلب ينهى عن ‏الفحشاء)!!. ‏

أمّا الصلاةُ بوصفها عبادةً منتظمةً، يلتزم بها الإنسانُ يوميًا، فهي تُحدِث في النفس من آثار ‏التهذيب ما لا يترتّبُ على مجرَّد الدعاء وحده.‏

وقد عبّر القرآنُ الكريمُ عن الصلاة بكونها قيامًا وقنوتًا بقوله: ﵟوَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَﵞ [البقرة:238]. ‏وهذا القيامُ لا معنى له لو كانتِ الصلاة دعاءً؛ لأنّ الدعاء لا يفتقر إلى قيامٍ مخصوصٍ، ولا إلى ‏قنوتٍ يحتاجُ فيه العبدُ إلى طول مقامٍ بين يدي الله سبحانه، بل يصدُر منه، وهو جالس أو ‏مضطجعٌ أو ماشٍ. ‏

فوجودُ القنوت والقيامِ يجعل الصلاة عبادةً لها هيأةٌ مخصوصةٌ، لا أنها مجرَّد كلمات وألفاظ ‏تُقال.‏

ويؤكِّد القرآن هذا التمايُز حين يميّز بين الصلاة الواحدة وغيرها بقوله: ﵟحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ‏وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىﵞ ‏[البقرة:238]‏، فاختصاصُ صلاةٍ بأنها الوسطى يدلُّ على تعدُّد الصلوات ‏وترتيبها، وهذا لا يكون في الدعاء؛ لأن الدعاء لا ينقسم إلى وسطى وغيرها، ولا يُتصوّر له ‏عدد ولا مراتبُ من هذا القبيل. ‏

فتقسيم القرآنِ نفسِه للصلاة يُثبت اختلاف ماهيّة الصلاة عن الدعاء.‏

ومجموع هذه الآيات ـ وهي آياتٌ محكمةٌ صريحة ـ يجعل الصلاة في القرآن عبادةً ذاتَ شروطٍ ‏وأوقات وآثار وأفعال لا يمكن حملُها على الدعاء بأيِّ وجهٍ، ومَن حمَلها على الدعاء فقد عطّل ‏هذه الآيات كلَّها بلا دليلٍ، وصرَفها عن ظاهرها المتبادَر من لسان العرب الذي نزل به القرآنُ.‏

فالنتيجة أنّ الصلاة في القرآن الكريم عبادةٌ لها صورةٌ ومعنى مستقلّ، وليس مجرَّد دعاءٍ، وهذا ‏التمييز ثابتٌ بظاهر الكتاب نفسه، وهو وحدَه كافٍ في ردّ هذه الدعوى، وهو حجةٌ على المدَّعي ‏شاء أم أبى.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة