مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

مَنْ قالَ إنّ القرآن قدّم خلقَ الأرض على السماء؟!

السائل سلوان القره غولي النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 194 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

تقولون: إنّ القرآن كلامُ الله العالم بكل شيءٍ، لكنْ في سورة البقرة يقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. فالآية واضحةٌ في أنّ الأرض خُلقت أوّلًا، ثم بعد ذلك السماء، بينما العلم اليوم يثبِت أنّ الأرض لم تكن أصلًا قبل السماء، بل وُجدت بعد نشأة الكون ومَجرّاته بزمنٍ طويل، فإذا كان القرآنُ كتابًا إلهيًّا، فلماذا يقع في مثل هذا الخطأ العلميّ الصريح؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين..

إنّ ما يُتوهَّم من أنّ قوله تبارك وتعالى: ﵟهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌﵞ [البقرة:29]، يُثبِت تقدّم خلقِ الأرض زمانًا على خلق السماء، فيكون في ذلك مخالفةٌ للحقائق العلميّة، إنّما هو كاشفٌ عن سوء فهمٍ لمعنى الخلق والاستواء في المقام، ومن الاقتصار على ظاهرٍ موهومٍ دون ردّ المتشابه إلى المحكَم.

فالقرآن الكريم لم يذكر الأرض قبل السماء في مقام بيان المراحل الزمنيّة، وإنّما ذكرها من حيث كونها محلّ عيشِ الإنسان ومورد انتفاعه.

وكلمة (ثمّ) في لغة العرب لا تفيد دائمًا الترتيب الزمني (التراخي الزمني)، بل تستعمل كثيرًا لمطلق الانتقال في السياق (التراخي الرتْبي)، كما أكَّده النحويّون والمفسّرون.. فلا دلالة في الآية على سبق الأرض زمانًا.

بل نجد القرآن نفسه قد فصّل المراحل في موضعٍ آخر، فقال: ﵟأَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَاﵞ [النازعات:27ـ30]. وهذه الآيات صريحةٌ في أنّ بناء السماء وتسويتها كان قبل دحوِ الأرض، أيْ قبل بسطها وإرساء جبالها وتفجير عيونها، فيكون الجمعُ بين النصّين أنّ خلق مادّة الأرض كان موجودًا، لكنّ تسويتها وإعدادها لمعاش الإنسان إنّما وقع بعد تمام تسوية السماء.

ومن هنا يتبيَّن وجهُ الإعجاز القرآنيّ؛ إذ لو كان الكلام من عند غير الله عزّ وجل، لوقع التناقض بين السورتين، لكنّ القرآن الكريم رتّب البيان على مقتضى المقام، فحيث كان المقصودُ في آية سورة البقرة الامتنان على الإنسان بما في الأرض، قدّم ذكر الأرض، وحيث كان المقصودُ في آية سورة النازعات بيان المراحل الكونيّة، بيّن الترتيب الزمانيّ.

والنتيجة أنّ الآية لا تتضمّن أيّ خطإٍ علميٍّ، بل هي أدقّ في البيان من كثيرٍ من التوهّمات المطروحة، والموهوم من التعارض ناشئٌ إمّا من جهلٍ بلغة العرب، أو من غفلةٍ عن تفسير القرآن بعضه لبعض. والقرآنُ الكريم ـ وهو كلام العليم الحكيم ـ منزَّهٌ عن أنْ يعارض حقيقةً علميّةً، بل هو الهادي إلى الحقائق قبل أنْ تنكشف لعيون البشر.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة