مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

معنى اليقين في قوله تعالى {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}

السائل طالب علم النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 1 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

استدل أحدهم بآية {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} في أنها الغاية من خلق ﷲ لنا ـ فما رأيكم باستدلاله وهل هو صحيح وإذا كان صحيح فما هذا اليقين وما الغرض منه؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

هذا الاستدلال غير صحيح على هذا النحو، لأنّه مبنيّ على عدم التفريق بين ما يجب على الإنسان فعله، وبين غاية خُلق الإنسان.

فقوله سبحانه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]، ليس في مقام بيان الغاية من الخلق، وإنّما هو في مقام بيان أنّ العبادة لا تنقطع ما دام الإنسان حيًّا.

فالآية تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله)، وتقول له: الزم عبادة ربك دائمًا، ولا تتركها ما دمت في هذه الدنيا. فـ(حتى) هنا معناها: استمرّ في العبادة إلى نهاية عمرك، لا أنّها تبيّن غاية الخلق.

ومن هنا يأتي الكلام في معنى (اليقين) في الآية. والصحيح ـ كما عليه علماؤنا ـ أنّ المراد به هو الموت، لأنّه أمر لا شكّ فيه، وكلّ إنسان يصل إليه، فلأجل هذا سُمّي يقينًا.

فقد ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره (الأمثل) أن المقصود باليقين هو الموت، مستنداً إلى أن الموت هو الأمر الذي لا يشك فيه أحد، وعند الموت تزول الحجب وتتضح الحقائق، فيقول: ((المعروف والمشهور بين المفسرين أن المقصود من "اليقين" هنا الموت، وسمي باليقين لحتميته، فربما يشك الإنسان في كل شيء، إلا الموت فلا يشك فيه أحد قط. أو لأن الحجب تزال عن عين الإنسان عند الموت فتتضح الحقائق أمامه ويحصل له اليقين. وفي الآيتين السادسة والأربعين والسابعة والأربعين من سورة المدثر نقرأ عن لسان أهل جهنم: وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين أي الموت)) [تفسير الأمثل، ج8، ص119].

وهكذا ورد تفسير الآية عند جمهور المفسرين من علماء أهل السنة، قال القرطبي: ((قوله تعالى: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" فيه مسألة واحدة: وهو أن اليقين الموت)) [الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ج10، ص64].

فيكون معنى الآية: اعبد ربك إلى أن يأتيك الموت.

وعلى هذا، لا يصحّ أن يُقال: إنّ (اليقين) مقام يصل إليه الإنسان، فإذا وصل إليه سقط عنه التكليف، كما يُقال عند بعض المنحرفين، لأنّ هذا خلاف ظاهر الآية، وخلاف ما هو معلوم من حال الأنبياء (عليهم السلام)، فإنّهم كانوا في أعلى درجات اليقين، ومع ذلك كانوا أكثر الناس عبادة.

فلو كان اليقين يوجب سقوط العبادة، لكان النبي (صلى الله عليه وآله) أولى بتركها، وهذا واضح البطلان.

وأمّا الغاية من الخلق، فقد بيّنها القرآن الكريم في موضع آخر، وهو قوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِِ} [الذاريات:56]، فهذه الآية هي التي تبيّن لماذا خُلق الإنسان، لا آية {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.

وعليه، فقوله سبحانه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} معناه، استمرّ في العبادة إلى الموت، ولا تدلّ على أنّ اليقين هو الغاية من الخلق.

ومن جميع ما تقدم يتضح أنّ الاستدلال بالآية على أنّ اليقين هو الغاية من الخلق استدلال غير تام، والصحيح أنّها تدلّ على لزوم دوام العبادة إلى نهاية العمر، وأمّا الغاية من الخلق فهي العبادة نفسها، كما نصّ عليه القرآن الكريم.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة