مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

لو كان الميلُ عُذراً لكان السارقُ والزاني والقاتلُ معذورين

السائل أيمن النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 503 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

إذا كان الله هو الذي أودع في الإنسان الغرائز والدوافع، وهو القائل في كتابه: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}، فبأي وجه يُحاسبني ويعذّبني على ما تميل إليه نفسي بطبعها؟ فهذا منافٍ للعدل!!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحَ الظلام، وهُداةَ الأنام.

إنّ دعواك: كيف يعاقبني الله وقد ركّب فيّ الغرائز، وهو القائل: ﵟإِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيﵞ [يوسف:53]، دعوى مردودة، منشؤها الخلط بين ما هو ميلٌ قهري لا يد للعبد فيه، وبين ما هو فعلٌ اختياري تقوم به حجّة التكليف.

فالغرائز بما هي غرائز لا تُعَدّ ذنباً، بل هي بواعث يُمتَحن بها العبد، والذنب لا يتحقّق إلا إذا استجاب العبد لغرائزه باختياره مع علمه بحرمة الفعل.

ولو كان مجرّد الميل عذراً، لسقط الحدّ عن السارق لأنّه أحبّ المال، ولسقط الوزر عن الزاني لأنّ في نفسه شهوة، ولسقط القتل عن القاتل بحجّة الغضب، ولتعطّلت الشريعة، وانقضى معنى الثواب والعقاب، وهذا ما يدفعه العقل الصريح؛ فإنّ مناط المدح والذم ليس وجود الميول، بل طريقة التصرّف حيالها.

وأمّا قوله تعالى: {النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}، فليس اثباتا للجبر، بل هو وصفٌ لحال النفس إن تُركت بلا وازع، ثم استثنى بقوله: ﵟلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيﵞ، أي إلا من شملته الرحمة بالتوفيق والتسديد، ولو كان الأمر قهراً لا اختيار فيه، لما صحّ أن يقول: ﵟقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَاﵞ [الشمس:9-10]، فإنّ الفلاح والخيبة إنما يتصوّران في مقام الاختيار.

والرحمة هنا ليست إسقاط التكاليف، بل هي تمكين العبد من العقل والقدرة، وفتح سبيل الهداية له. فمن شاء أن يزكّي نفسه استمدّ من الرحمة الخاصة، ومن أعرض بعد قيام الحجّة، فقد سدّ على نفسه أبوابها، ولو لم تُجعل في الإنسان ميولٌ وشهوات، لكان خلقه كخلق الملائكة، ولانتفى الامتحان، ولصار الثواب والعقاب لغواً، وذلك ما لا يليق بعدل الحكيم.

ولتقريب المعنى بمثال:

إنّ من يقود سيارته تحثّه رغبته على السرعة، غير أنّ إشارات المرور أمامه تحدّد له موضع التوقّف والانطلاق.. فإن استجاب لها حفظ نفسه والناس، وإن تجاوزها مختاراً وعرّض نفسه أو غيره للهلاك، فاللوم إنما يقع على تجاوزه للنظام واختياره المخاطرة، لا على أصل ميله الطبيعي إلى السرعة.

وهكذا الغريزة وقودٌ محرّك، والعقل والشرع قيدان يضبطان حركتها، فمن أعرض عنهما مختاراً كان مستحقّاً للمؤاخذة والعقاب.

فالخلاصة، أنّ الله تبارك وتعالى لم يضع الغرائز في الإنسان عبثاً، بل جعلها مادة امتحان، ليُظهر المطيع من العاصي.. والمؤاخذة ليست على أصل الغريزة، بل على طاعة الهوى مع قيام الدليل والقدرة على الكفّ، فلو رُفعت المؤاخذة بحجّة الغريزة، لانهدم العدل، ولصار المطيع والعاصي سواء، وذلك هو الظلم بعينه، والله جلّ شأنه منزَّه عن الظلم.

والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.

مسائل ذات صلة