مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

التوقيع الشريف ورعاية الإمام لشيعته في زمن الغيبة

السائل الشيخ المندلاوي النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 1 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

سيدنا هذه العبارة وردت في التوقيع الشريف: (إِنَّا غَيْرُ مُهْمَلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ وَاصْطَلَمَكُمُ الْأَعْدَاءُ). أولا: كيف يتم توجيه ما جاء في هذا التوقيع الشريف مع ما يحصل من أذى واستضعاف للشيعة. ثانيا: الإمام يدعو الله سبحانه ويطلب رفع هذا الظلم الذي يجري عليه وعلى شيعته كما في دعاء الافتتاح: (اللّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا وَقِلَّةَ عَدَدِنا وَشِدَّةَ الفِتَنِ بِنا وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَعِنّا عَلى ذلِكَ بِفَتْحٍ مِنْكَ تُعَجِّلُهُ وَبِضُرٍ تَكْشِفُهُ وَنَصْرٍ تُعِزُّهُ وَسُلْطانِ حَقٍّ تُظْهِرُهُ وَرَحْمَةٍ مِنْكَ تُجَلِّلُناها وَعافِيَةٍ مِنْكَ تُلْبِسُناها بِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ). بالتالي هو يشكو الظلم فكيف يدفع الظلم أو نقول كيف التوفيق بين ما جاء في التوقيع و الدعاء؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين.

هذا السؤالُ يقعُ كثيرًا عند التأمّلِ في النصوصِ الواردةِ عن الإمامِ الحجّةِ (عليه السلام)، وهو ناشئٌ من ملاحظةِ أمرين:

الأوّل: ما ورد في التوقيع الشريف المعروف، حيث قال الإمام (عليه السلام): ((إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ وَاصْطَلَمَكُمُ الْأَعْدَاءُ)).

والثاني: ما نراه في الخارج من كثرةِ ما يلاقيه شيعةُ أهلِ البيت (عليهم السلام) من الظلمِ والابتلاءِ والاستضعافِ عبر الأزمنة. ويُضاف إلى ذلك ما ورد في الأدعية، كدعاءِ الافتتاح، من الشكوى إلى الله تعالى من شدّةِ الفتنِ وكثرةِ الأعداء.

ومن هنا قد يُتوهَّم أنّ بين هذه النصوص نوعَ منافاة؛ لأنّ التوقيعَ الشريف يدلّ بظاهره على رعايةِ الإمام لشيعته، بينما الواقع يشهد بوقوع البلاء عليهم، كما أنّ الدعاء يشتمل على الشكوى من هذا البلاء.

ولكن عند التأمّل يتّضح أنّ هذا التوهّم ناشئٌ من فهمٍ غيرِ تامٍّ لمعنى الكلام الوارد في التوقيع الشريف.

فإنّ قول الإمام (عليه السلام): ((إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ)) لا يدلّ على أنّ شيعته لا يصيبهم بلاءٌ أصلًا، ولا أنّ الأعداء لا يتمكّنون من إيذائهم؛ فإنّ هذا المعنى لم يجرِ حتى في حقّ الأنبياء (عليهم السلام)، فضلًا عن أتباعهم.

فالأنبياء أنفسهم ابتُلوا بالقتلِ والإيذاءِ والتكذيب، مع كونهم صفوةَ الخلق.

وإنّما المراد من هذا الكلام أنّ للإمام (عليه السلام) رعايةً مستمرّةً لشيعته، بدعائه لهم، وعنايته بأمرهم، واهتمامه بحفظ جماعتهم. وهذه الرعاية يكون أثرها دفعَ كثيرٍ من البلاءِ عنهم، وحفظَهم من الاستئصال والزوال التام. ولهذا ينبغي الالتفات إلى تتمّة الكلام في التوقيع، وهو قوله (عليه السلام): ((وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ وَاصْطَلَمَكُمُ الْأَعْدَاءُ))، فالاصطلام في اللغة هو الاستئصال، أي أن يُقضى على الجماعة قضاءً تامًّا بحيث لا يبقى لهم أثرٌ بعد عين. فمفاد الكلام أنّ هذه الرعاية تمنع وقوع هذا النوع من الهلاك الشامل، لا أنّها تمنع أصل البلاء.

وعند مراجعة التاريخ يتّضح هذا المعنى بوضوح؛ فإنّ الشيعةَ الإماميّةَ الاثني عشرية، عبر ممرّ العصور، واجهوا ظروفًا شديدةً من القتل والتشريد والسجن، ومع ذلك لم ينقطع وجودهم، ولم يُمحَ ذكرهم، بل بقوا واستمرّوا وانتشروا في بقاعٍ مختلفةٍ من العالم. وهذا بنفسه شاهدٌ على أنّ هناك عنايةً إلهيّةً بحفظهم، وإن كان البلاء واقعًا عليهم في الجملة.

وأمّا ما ورد في دعاء الافتتاح: ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنَا صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَقِلَّةَ عَدَدِنَا، وَشِدَّةَ الْفِتَنِ بِنَا، وَتَظَاهُرَ الزَّمَانِ عَلَيْنَا…)). فهذا لا ينافي ما تقدّم؛ لأنّ الدعاء ليس نفيًا للرعاية، بل هو تضرّعٌ إلى الله سبحانه لرفع ما بقي من البلاء وتعجيل الفرج. فاجتماع الأمرين واضح؛ فهناك رعايةٌ تحفظ أصل الشيعة وتدفع عنهم الاستئصال، ومع ذلك يبقى الابتلاء قائمًا، فيتوجّه المؤمنون إلى الله تبارك وتعالى بالشكوى والدعاء، بل إنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تدلّ على أنّ زمن الغيبة زمنُ امتحانٍ شديدٍ للمؤمنين؛ فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ((وَاللَّهِ لَتُمَحَّصُنَّ، وَاللَّهِ لَتُمَيَّزُنَّ، وَاللَّهِ لَتُغَرْبَلُنَّ)) [تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي، ج١، ص٢٠٦].

فمفاد هذه الرواية ـ ومعها رواياتٌ كثيرةٌ وردت بهذا المعنى ـ أنّ زمن الغيبة زمن ابتلاءٍ وامتحان، وأنّ المؤمنين لا بدّ أن يلاقوا فيه شدائدَ وفتنًا يبتليهم الله بها. ومع ذلك فإنّ عناية الإمام (عليه السلام) بشيعته ثابتة، فهو غيرُ مُهملٍ لهم ولا تاركٍ لمراعاتهم، وتكون هذه العناية سببًا في حفظهم وبقائهم، بحيث لا يبلغ الأمر إلى استئصالهم وزوالهم من أصلهم.

وبناءً على ما تقدّم يتّضح أنّه لا منافاة بين التوقيع الشريف وبين ما ورد في دعاء الافتتاح، ولا بينهما وبين الواقع الخارجي. فالرعاية المذكورة في التوقيع تعني الحفظ العام ودفع الهلاك الشامل، وأمّا البلاء الجزئي والشدائد فهي من سنن الابتلاء التي تجري على المؤمنين في كلّ زمان، وخصوصًا في زمن الغيبة.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة