مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

التقوى عُنوان اتّباع العترة

السائل كريم الحسناوي النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 148 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

لو كانت هناك آيةٌ تنصّ على اتّباع أهل البيت لوجب على الله تعالى أنْ لا يُحدث افتراقًا بينهم وبين المجتمع بالموت، فكيف يأمر باتّباعهم، وهم غير موجودين؟ وسبحانه وتعالى أمر بالتقوى، وهي غير مرتبطة بوجود أهل البيت أو عدم وجودهم.. وهي كافيةٌ لبناء المجتمع العادل الذي هو هدف كلِّ الديانات.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

لا بدَّ أنك قرأتَ القرآن، وإنْ لم تقرأه فأنعمِ النظر في سياق ما جاء في مخالفةِ أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول الحق سبحانه: ﵟفَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌﵞ [النور:63].

وقد جاء عن رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)‏ بياناتٌ وأحاديثُ متضافرة تحثّ على التمسُّك والأخذ والمتابعة للثقلين (الكتاب والعترة) معًا، كهذا الحديث الصحيح: ((إني تاركٌ فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يرِدا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما))، وقال الألباني معلقًا على الحديث: (("صحيح" المشكاة، ص6144؛ الروض النضير، ص977 - 878؛ السلسلة الصحيحة، ج4، ص356 - 357)) [صحيح سنن الترمذي، ج3، ص543، برقم: 3788]، وغيرها من الأحاديث الشريفة الصحيحة الواردة في هذا الجانب، التي يكاد المنصفُ أن يقول بتواترها، بل هي متواترة فعلًا، لتضافر نقلها عند جميع الفِرَق الإسلامية على اختلاف مشاربهم الفقهية والعقَدية.

وهذا الحديث يوجب على الأمةِ الإسلامية جمعاء الأخذَ بالثقلين الكتاب والعترة من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو حجةٌ آخذةٌ بالأعناق إلى اتّباع العترة المطهرة؛ إذ فيه دلالةٌ على أنّ العترة تكون هاديةً مهديّةً إلى يوم القيامة، وهذا هو معنى عدم الافتراق عن القرآن الذي نصّ عليه علماءُ أهل السُّنة عند شرحهم للحديث المذكور.

قال الدهلوي في "مختصر التحفة": ((وهذا الحديث ثابت عند الفريقين، أهل السُّنة والشيعة، وقد ‏عُلم منه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا في المقدمات الدينية والأحكام الشرعية ‏بالتمسُّك بهذين العظيمي القدر، والرجوع إليهما في كل أمر، فمن كان مذهبه مخالفًا لهما في الأمور ‏الشرعية اعتقادًا وعملًا فهو ضالٌّ، ومذهبه باطلٌ وفاسدٌ، لا يُعبأ به. ومَن جحد بهما فقد غوى، ووقع ‏في مهاوي الردى)) [مختصر التحفة الاثني عشرية، للدهلوي، ج1، ص52، ط. القاهرة].‏

وقال الطوفي (تـ. ٧١٦هـ) في كتابه "شرح مختصر الروضة": ((وجه الاستدلال بهذا النص: أنه أمر بالتمسُّك بالعترة، وأخبر بعدم ضلال مَن تمسك بها، ولو لم يكن قولُهم حجةً قاطعة لما أمر بذلك، وهو المطلوب)) [شرح مختصر الروضة، للطوفي، ج3، ص114، ط. الرسالة]

وقال الطيبي (تـ. ٧٤٣هـ) في "شرح المشكاة": ((وفي قوله: "إني تارك فيكم" إشارةٌ إلى أنهما بمنزلة التوأمين الخلَفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) [شرح المشكاة الكاشف عن حقائق السنن، للطيبي، ج12، ص3909، ط. الرياض].

وقال الكرماني (تـ. ٨٥٤هـ)، في "شرح المصابيح": (("ولن يتفرقا"؛ أي: لا يفارقان في مواطن القيامة ومشاهدها، "حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"؛ أي: تأملوا، واستعملوا الرَّويّة في اسخلافي إياكم، هل تكونون خلَفَ صدقٍ أو خلَف سوء؟!)) [شرح المصابيح، لابن الملك، ج6، ص464، ط. إدارة الثقافة الإسلامية].

وبالرجوع إلى حديثٍ آخر، تضافر الرواة على روايته، فقد روتْه صحاحُ المسلمين ومسانيدهم، وهو حديث "الخلفاء من بعدي اثنا عشر" سننتهي إلى نتيجةٍ واضحة وضوحَ الشمس في رائعة النهار.

فحديث "الخلفاء من بعدي اثنا عشر" يشير إلى استمرار خلافتهم إلى يوم القيامة، حيث جاء فيه: ((لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش)) [صحيح مسلم، ج6، ص4، كتاب الإمارة عن جابر بن سمرة].

يقول ابن كثير في تاريخه: ((قال ابن تيمية: وهؤلاء المبشرُ بهم في حديث جابر بن سمرة، وقرر أنهم يكونون مفرَّقين في الأمة، ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا)) [تاريخ ابن كثير، ج6، ص249 – 250].

وعن السيوطي في تاريخه: ((وجود اثني عشر خليفةً في جميع مدة الإسلام إلى القيامة، يعملون بالحق وإنْ لم يتوالَوا)) [تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص12]، وعن ابن حجر في فتح الباري: ((ولا بدّ من تمام العِدة قبل قيام الساعة)) [فتح الباري، ج13، ص211].

وأيضًا يشير هذا الحديث إلى أنّ هؤلاء الخلفاء هم من الصالحين: ((لا يزال هذا الأمر صالحًا)) [ينظر: مسند أحمد، ج5، ص97، 107].

يقول ابن كثير: ((ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا، يقيم الحق، ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أنّ منهم المهديَّ المبشَّر به في الأحاديث الواردة بذكره)) [تفسير ابن كثير، ج3، ص59].

‏وقولك (... فكيف يأمر باتّباعهم، وهم غير موجودين؟)، يرِد عليه: وكيف يأمرك الله سبحانه باتّباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غير موجود؟! ‏

فإن فكرة مفارقة المتّبَع بالموت أو الغياب الزمني، وعدم وجوده بين أتباعه، لا تعني بالضرورة توقف الالتزام بتوجيهاته وأوامره، وإلا لتوقف التزام المسلمين بتوجيهات رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وأوامره بمجرد وفاته أو اختفائه عن أنظار المسلمين، وهذا لم يقل به عاقلٌ على وجه الأرض.‏. وصدق الحقُّ سبحانه القائل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة