
أحدهم يُظهر صورة المرجع الشيخ الفياض، وهو راقدٌ في إحدى مستشفيات لندن لإجراء عملية جراحية لكلتا عينيه، ويعلِّق قائلًا: لماذا المرجع الفياض لم يتمسَّح بقبر الحسين، ويضع من طين القبر على عينيه، فتشفى ببركة تراب قبر الحسين؟! أم أن المرجع لا يعتقد بهذه العقيدة؟!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
في البدء تجدر الإشارة إلى أنّ المرض في حدِّ ذاته - أيًّا كان - ليس مظهرًا للغضب الإلهي على المؤمنين، وإنما هو ابتلاءٌ لهم من الحقِّ – سبحانه وتعالى – ومن أشدِّ الناس ابتلاءً هم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، فقد روى البخاريّ ومسلم في صحيحيهما عن ابن مسعود، أنه قال: ((دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوعك وعكًا شديدًا، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك إن لك أجرين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل ما من مسلم يصيبه أذى مرضٍ فما سواه إلا حطَّ الله سيئاته كما تَحطُّ الشجرةُ ورقَها)). [صحيح البخاري، ج5، ص2143، تـ. البغا؛ صحيح مسلم، ص4، ص1991، تـ. عبد الباقي].
وعلى رغم أنّ الشفاء متعلِّقٌ بمشيئة الله سبحانه، إلا أنّ ذلك لا يمنع من الأخذ بالأسباب والوسائل التي تؤدي إلى الشفاء، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((إنّ نبيًّا من الأنبياء مرض، فقال: لا أتداوى حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني، فأوحى الله عز وجل إليه: لا أشفيك حتى تتداوى؛ فإنّ الشفاء مني والدواء مني، فجعل يتداوى، فأتى الشفاء)). [مكارم الأخلاق، 362، وسائل الشيعة، للحر العاملي، ج٢، ص٤٠٩، ط. آل البيت].
وجاء في "وسائل الشيعة": ((عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، عن جابر، قال: قيل: يا رسول الله، أ نتداوى؟ قال: نعم، فتداووا؛ فإنّ الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء...)) [ المصدر نفسه، ج٢٥، ص٢٢٤].
وثمة إشارة أخرى – أيضًا - جديرة بالنظر، وهي أنّ عدم شفاء المريض بعد تناوله الدواء لا يسلب دوائية الدواء، كعدم احتراق الورقة بالنار لوجود مانع كالرطوبة مثلًا، فإنه لا يسلب صفة الإحراق عن النار، والفرق بين الدواء والشفاء؛ هو أنّهما معًا من الله وبالله، الّا أنّ تناول الدواء لا يلازم الشفاء، فالشفاء قد يأتي نتيجة تناول الدواء، وقد لا يأتي نتيجة لذلك، فكذلك الأمر بالنسبة للتربة الحسينية على مشرّفها صلوات الله وسلامه، فلو تناول المستشفي بها شيئًا منها، ولم يُشفَ، فلا يستلزم ذلك سلب خصوصيّة الشفاء عنها، لا لأنها لا تقتضي ذلك، ولا لأن المُستشفي غير معتقد بها، وإنما لتعلُّق الشفاء بمشيئة الله سبحانه، إما لرفع درجاته أو حطِّ سيئاته، هذا من جانب.
ومن جانبٍ آخر، يقول سبحانه في كتابه الكريم: ﵟيَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِﵞ [النحل:69].
وفي الصحيحين عن أبي سعيد: ((أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: "اسقِه عسلًا". ثم أتاه الثانية، فقال: "اسقِه عسلًا". ثم أتاه الثالثة فقال: "اسقه عسلًا". ثم أتاه، فقال: قد فعلت؟ فقال: "صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا". فسقاه، فبرأ)) [صحيح البخاري، ج5، ص2152؛ صحيح مسلم، ج4، ص1736].
إذًا، فالشيخان البخاري ومسلم رويا حديثًا على ضوء الآية الكريمة يعطي نتيجة حتمية للاستشفاء بالعسل، وأن مَن شرِبه، ولم يُشفَ فهو كذاب.
وهنا نقول: إن الشيخ ابن عثيمين – أحد كبار أئمة السلفية - كان يعاني في بادئ الأمر من ضعف في بصره، ثم اكتشف الأطباء أنه مصاب بورم سرطاني في الكبد والرئتين، وتعرض لمحاولات علاجٍ داخل البلاد وخارجها، كان أبرزها سفره للعلاج إلى أمريكا!!
أ ما كان الشيخ ابن عثيمين يعتقد بالبخاريّ ومسلم، فيأخذ بالحديث الذي روياه، فيشرب عسلاً ليُشفى من مرضه هذا، أم أنه لم يؤمِن بقول الله سبحانه وبكتابه الكريم؟!
وفي سياق حديثنا عن الاستشفاء بالتربة الحسينة، نشير إلى أن الشيعة لم تنفرد بهذه العقيدة، وإنما يشاركهم بذلك أهل السُّنة، فقد ثبت في صحاحهم عقيدة الاستشفاء بتربة المدينة، فقد روى الشيخان – البخاري ومسلم – في صحيحيهما، عن عائشة أنها قالت: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: "بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا"))، [صحيح البخاري، ج5، ص2168، تـ. البغا؛ صحيح مسلم، ج4، ص1724، تـ. عبد الباقي].
قال النووي (تـ ٦٧٦هـ) في "شرح مسلم": معنى الحديث: ((أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيء، ثم يتمسَّح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح)) [شرح النووي على مسلم، ج14، ص184].
وقال البيضاوي (تـ ٦٨٥هـ) في شرحه للحديث: ((وتقدير الكلام: قال النبي صلى الله عليه وسلم مشيرًا بإصبَعيه: بسم الله، هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضها، ضمدنا بها، أو فعلنا ما فعلنا، أو قلنا ما قلنا، ليشفى سقيمنا)). [تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، ج1، ص420].
ويقول ابن قيِّم الجوزيّة: ((ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيءٌ، فيمسح به، ويقول هذا الكلام، لما فيه من بركة ذكر اسم الله، وتفويض الأمر إليه، والتوكُّل عليه. فينضم أحد العلاجين إلى الآخر، فيقوى التأثير)) [زاد المعاد، ج4، ص267، ط. عطاءات العلم].
وفي سياق جوابه عن سؤال هو: هل المراد بقوله: «تربة أرضنا» جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة؟ قال: ((لا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصة، ينفع بخاصيته من أدواء كثيرة، ويشفي به أسقامًا كثيرة)) [المصدر نفسه].
ومعلوم لدى الجميع، لا سيما أهل السُّنة، أن الشيخ ابن باز - مفتي عام المملكة العربية السعودية - قد أصابه مرض يُسَمَّى في نجد (أبا الرغيد) أدّى إلى ضعف بصره، واستمر المرض معه إلى أن ذهب بصرُه بالكلية!!
فلماذا لم يستشفِ الشيخ ابن باز بالعسل الذي نصَّت عليه الآية الكريمة، والحديث الذي رواه الشيخان، الذي يُفهم منه بوضوحٍ حتميّة الشفاء بمجرد شربه؟!
أ ما كان يعتقد ابن باز بحديث البخاري الذي نص على الاستشفاء بتربة المدينة وأنها تشفي السقيم؟!!
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
