مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الاستشفاء بتربة الحسين (ع) لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب

السائل عبد الله الموسوي النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 392 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

أحدهم يُظهر صورة المرجع الشيخ الفياض، وهو راقدٌ في إحدى مستشفيات لندن ‏لإجراء عملية جراحية لكلتا عينيه، ويعلِّق قائلًا: لماذا المرجع الفياض لم يتمسَّح بقبر الحسين، ‏ويضع من طين القبر على عينيه، فتشفى ببركة تراب قبر الحسين؟! أم أن المرجع لا يعتقد بهذه ‏العقيدة؟!‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

في البدء تجدر الإشارة إلى أنّ المرض في حدِّ ذاته - أيًّا كان - ليس مظهرًا للغضب الإلهي على ‏المؤمنين، وإنما هو ابتلاءٌ لهم من الحقِّ – سبحانه وتعالى – ومن أشدِّ الناس ابتلاءً هم ‏الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، فقد روى البخاريّ ومسلم في صحيحيهما عن ابن مسعود، ‏أنه قال: ((دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوعك وعكًا شديدًا، فقلت: يا رسول ‏الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إني أوعك كما يوعك ‏رجلان منكم، قلت: ذلك إن لك أجرين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل ما من مسلم ‏يصيبه أذى مرضٍ فما سواه إلا حطَّ الله سيئاته كما تَحطُّ الشجرةُ ورقَها)). [صحيح البخاري، ‏ج5، ص2143، تـ. البغا؛ صحيح مسلم، ص4، ص1991، تـ. عبد الباقي].‏

وعلى رغم أنّ الشفاء متعلِّقٌ بمشيئة الله سبحانه، إلا أنّ ذلك لا يمنع من الأخذ بالأسباب والوسائل ‏التي ‏تؤدي إلى الشفاء،‏ فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((إنّ نبيًّا من الأنبياء مرض، فقال: ‏لا أتداوى حتى يكون ‏الذي ‏أمرضني هو الذي يشفيني، فأوحى الله عز وجل إليه: لا أشفيك حتى ‏تتداوى؛ فإنّ الشفاء مني ‏والدواء ‏مني، فجعل يتداوى، فأتى الشفاء)).‏ [مكارم الأخلاق، 362، وسائل الشيعة، للحر ‏العاملي، ج٢، ص٤٠٩، ط. آل البيت].‏

وجاء في "وسائل الشيعة": ((عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)‏، ‏عن ‏جابر، قال: قيل: يا رسول الله، أ نتداوى؟ قال: نعم، فتداووا؛ فإنّ الله لم ينزل داء إلا ‏أنزل ‏له ‏شفاء...)) [ المصدر نفسه، ج٢٥، ص٢٢٤].‏

وثمة إشارة أخرى – أيضًا - جديرة بالنظر، وهي أنّ عدم شفاء ‏المريض بعد تناوله الدواء لا ‏يسلب دوائية الدواء، كعدم احتراق الورقة بالنار ‏لوجود ‏مانع كالرطوبة ‏مثلًا، فإنه لا يسلب صفة ‏الإحراق عن النار، والفرق بين الدواء والشفاء؛ هو ‏أنّهما معًا ‏من الله وبالله، الّا أنّ تناول الدواء ‏لا يلازم الشفاء، فالشفاء قد يأتي نتيجة تناول الدواء، وقد ‏لا يأتي ‏نتيجة لذلك، فكذلك الأمر ‏بالنسبة للتربة الحسينية على مشرّفها صلوات الله وسلامه، فلو ‏تناول المستشفي بها شيئًا منها، ‏ولم يُشفَ، فلا يستلزم ذلك سلب خصوصيّة الشفاء عنها، لا لأنها لا ‏تقتضي ذلك، ولا لأن ‏المُستشفي غير معتقد بها، وإنما لتعلُّق الشفاء بمشيئة الله سبحانه، إما لرفع درجاته أو حطِّ ‏سيئاته، هذا من جانب.‏

ومن جانبٍ آخر، يقول سبحانه في كتابه الكريم: ﵟيَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ ‏شِفَاءٌ لِلنَّاسِﵞ [النحل:69].‏

وفي الصحيحين عن أبي سعيد: ((أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي ‏بطنه، ‏فقال: "‌اسقِه ‌عسلًا". ثم أتاه الثانية، فقال: "‌اسقِه ‌عسلًا". ثم أتاه الثالثة فقال: ‌‏"‌اسقه ‌عسلًا". ثم أتاه، ‏فقال: قد فعلت؟ فقال: "صدق الله، وكذب بطن أخيك، ‌اسقه ‌عسلًا". فسقاه، ‏فبرأ)) [صحيح البخاري، ج5، ص‌‏2152؛ صحيح مسلم، ج4، ص1736]. ‏

إذًا، فالشيخان البخاري ومسلم رويا حديثًا على ضوء الآية الكريمة يعطي نتيجة حتمية ‏للاستشفاء بالعسل، وأن مَن شرِبه، ولم يُشفَ فهو كذاب.‏

وهنا نقول: إن الشيخ ابن عثيمين – أحد كبار أئمة السلفية - كان يعاني في بادئ الأمر من ‏ضعف في بصره، ثم اكتشف الأطباء أنه مصاب بورم سرطاني في الكبد والرئتين، وتعرض ‏لمحاولات علاجٍ داخل البلاد وخارجها، كان أبرزها سفره للعلاج إلى أمريكا!!‏

أ ما كان الشيخ ابن عثيمين يعتقد بالبخاريّ ومسلم، فيأخذ بالحديث الذي روياه، فيشرب عسلاً ‏ليُشفى من مرضه هذا، أم أنه لم يؤمِن بقول الله سبحانه وبكتابه الكريم؟! ‏

وفي سياق حديثنا عن الاستشفاء بالتربة الحسينة، نشير إلى أن الشيعة لم تنفرد بهذه العقيدة، ‏وإنما يشاركهم بذلك أهل السُّنة، فقد ثبت في صحاحهم عقيدة الاستشفاء بتربة المدينة، فقد روى ‏الشيخان – البخاري ومسلم – في صحيحيهما، عن عائشة أنها قالت: ((إن النبي صلى الله عليه ‏وسلم كان يقول للمريض: "بسم الله، ‌تربة ‌أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا"))، ‌‏[صحيح البخاري، ج5، ص2168، تـ. البغا؛ صحيح مسلم، ج4، ص1724، تـ. عبد الباقي]. ‏

قال النووي (تـ ٦٧٦هـ) في "شرح مسلم": معنى الحديث: ((أنه يأخذ من ريق نفسه على ‏إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيء، ثم يتمسَّح به على الموضع ‏الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح)) [شرح النووي على مسلم، ج14، ‏ص184]. ‏

وقال البيضاوي (تـ ٦٨٥هـ) في شرحه للحديث: ((وتقدير الكلام: قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏مشيرًا بإصبَعيه: بسم الله، هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضها، ضمدنا بها، أو فعلنا ما فعلنا، ‏أو قلنا ما قلنا، ليشفى سقيمنا)). [تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، ج1، ص420].‏

ويقول ابن قيِّم الجوزيّة: ((ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ‏ثم ‏يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيءٌ، فيمسح به، ويقول هذا الكلام، لما فيه من بركة ‏ذكر ‏اسم الله، وتفويض الأمر إليه، والتوكُّل عليه. فينضم أحد العلاجين إلى الآخر، ‏فيقوى ‏التأثير)) ‏[زاد المعاد، ج4، ص267، ط. عطاءات العلم]‏.‏

وفي سياق جوابه عن سؤال هو: هل المراد بقوله: «تربة أرضنا» جميع الأرض أو أرض المدينة ‏خاصة؟ قال: ((لا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصة، ينفع بخاصيته من أدواء ‏كثيرة، ‏ويشفي به أسقامًا كثيرة)) ‏[المصدر نفسه]‏.‏

ومعلوم لدى الجميع، لا سيما أهل السُّنة، أن الشيخ ابن باز - مفتي عام المملكة العربية السعودية ‌‏- قد أصابه مرض يُسَمَّى في نجد (أبا ‏الرغيد) أدّى إلى ضعف بصره، واستمر المرض معه إلى ‏أن ذهب بصرُه بالكلية!!‏

فلماذا لم يستشفِ الشيخ ابن باز ‏بالعسل الذي نصَّت عليه الآية الكريمة، والحديث الذي رواه ‏الشيخان، الذي يُفهم منه بوضوحٍ حتميّة الشفاء بمجرد شربه؟! ‏

أ ما كان يعتقد ابن باز بحديث البخاري الذي نص على الاستشفاء بتربة المدينة وأنها تشفي السقيم؟!!‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة