
ادّعى بعضهم أنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يدلّ على غموضِ معاني القرآن، وأنّ المتشابهات طلاسمُ لا يُدرَك مرادُها، وأنّ العلماءَ إنّما يُؤمنون بها على غير فهم، لأنّ التأويلَ لا يقدر عليه أحد، ووجودَ المتشابه دليل على إبهامِ الكتاب.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسلام على من نزّل القرآن على صدره، فبلّغه إلى أمته، وعلى آله المعصومين الذين بيّنوا ما أَمر الله به.
إنّ موردَ الإشكال إنّما نشأ مِن قلّةِ التثبّت في خطابِ الكتابِ العزيز، فإنّ القرآنَ الكريم بيّنُ الدلالةِ في أكثرِ آياته، ظاهرُ المعنى، لا التباسَ فيه على مَن قصد طريقَ الفهمِ على وجهه.
وقد قسّم اللهُ سبحانه آياتِه إلى محكمات و متشابهات؛ فالمحكماتُ هنّ أصلُ الكتاب، وعليهنّ مدارُ معرفةِ العقيدةِ والأحكام، ولا خفاءَ في معانيهنّ، بل يفهمُهنّ العامّيُّ كما يفهمُهنّ العالمُ لظهورِ دلالتهنّ.
وأمّا المتشابهاتُ فهي الآياتُ التي يخفى معناها على الناظر من أوّل وهلة، ولا يُدرَك المرادُ منها إلّا بعد الرجوع إلى غيرها.. ولم يجعلِ اللهُ سبحانه بيانَها بيد كلّ أحد، لئلّا يتصرّف أهلُ الهوى في معاني القرآن، فيفسّروا المتشابه على حسب رغباتهم، ويحملوا كلامَ الله ما لا يدلّ عليه.
فجعل سبحانه لِلمتشابهِ بابَينِ من البيان:
أحدُهما: ردُّ المتشابه إلى المُحكم، لأنّ المُحكمَ أصلٌ يُكشف به ما خفي، ويُفسَّر به ما أُجمل.
والثاني: الرجوعُ إلى الراسخين في العلم، وهم الذين ثَبَتَ قدمُهم في معرفةِ الكتابِ والسُّنّة، وأشارت إليهم آيةُ الذكر: ﵟفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَﵞ [النحل:43].
فلا يكونُ المتشابهُ على هذا موضعًا للإبهام، بل له طريقُ بيانٍ ممهّد، وموردُ رجوعٍ مضبوط، يُبطلُ تحكّمَ المتلاعبين، ويقطعُ طمعَ أهلِ الميلِ والزيغ.
وأمّا قولُه تعالى: ﵟوَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِﵞ [آل عمران:7]، فليس فيه ما يَدُلُّ على أنّ العلماءَ يُؤمِنون بما لا يعرفون، بل فيه دلالةٌ على أنّ التأويلَ ـ وهو حقيقةُ المرادِ ومَصيرُ المعنى ـ لا يُعطاه كلُّ أحد، بل يُخصُّ به أهلُ الذكر الراسخون في العلم، حفظًا لمعاني الكتابِ من أن تمتدّ إليها أيديُ أهلِ الهوى.
ثمّ إنّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) قرنَ أهلَ بيتِه بالكتابِ، وجعلهما مَرجِعَ الأمّة إلى يوم القيامة، فقال في حديثه المتواتر: ((إنّي تاركٌ فيكم خليفتين: كتابَ الله، وعترتي أهلَ بيتي، ولن يفترقا حتى يَرِدا عليّ الحوض)) [صحيح الجامع الصغير للألباني، ج1، ص482؛ مسند أحمد بن حنبل، برقم: 21654، تصحيح شعيب الأرنؤوط].
وقد فَصَل النبيُّ وأهلُ بيته (عليهم السلام) من معاني القرآنِ وأحكامِه ما أغنى الأمّة، ورفع الإشكال، وأزال الريب، وروت عنهم الطائفةُ آلافَ الأخبار المبيِّنة، فما بقي بابٌ يُحتاج فيه إلى بيانٍ إلّا وُجد له أصلٌ عندهم.
فكيف يُقال بعد ذلك إنّ القرآنَ طلاسمُ أو أنّ معانيه لا تُدرك؟!
بل هو كتابٌ ظاهرٌ بيّنٌ، محكمٌ في أصوله، محفوظٌ في متشابهه، لا يشتبهُ إلّا على مَن أعرضَ عن أهله، أو طلبَ الهدى في غير موضعه.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
