مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

القرآنُ لا يلتبسُ إلّا على ذي زَيْغٍ

السائل مثنى السعد النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 18 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ادّعى بعضهم أنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يدلّ على ‏غموضِ معاني القرآن، وأنّ المتشابهات طلاسمُ لا يُدرَك مرادُها، وأنّ العلماءَ إنّما يُؤمنون بها ‏على غير فهم، لأنّ التأويلَ لا يقدر عليه أحد، ووجودَ المتشابه دليل على إبهامِ الكتاب.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسلام على من نزّل القرآن على صدره، فبلّغه ‏إلى ‏أمته، ‏وعلى آله المعصومين الذين بيّنوا ما أَمر الله به.‏

إنّ موردَ الإشكال إنّما نشأ مِن قلّةِ التثبّت في خطابِ الكتابِ العزيز، فإنّ القرآنَ الكريم بيّنُ ‏الدلالةِ في أكثرِ آياته، ظاهرُ المعنى، لا التباسَ فيه على مَن قصد طريقَ الفهمِ على وجهه.‏

وقد قسّم اللهُ سبحانه آياتِه إلى محكمات و متشابهات؛ فالمحكماتُ هنّ أصلُ الكتاب، وعليهنّ مدارُ ‏معرفةِ العقيدةِ والأحكام، ولا خفاءَ في معانيهنّ، بل يفهمُهنّ العامّيُّ كما يفهمُهنّ العالمُ لظهورِ ‏دلالتهنّ.‏

وأمّا المتشابهاتُ فهي الآياتُ التي يخفى معناها على الناظر من أوّل وهلة، ولا يُدرَك المرادُ منها ‏إلّا بعد الرجوع إلى غيرها.. ولم يجعلِ اللهُ سبحانه بيانَها بيد كلّ أحد، لئلّا يتصرّف أهلُ الهوى ‏في معاني القرآن، فيفسّروا المتشابه على حسب رغباتهم، ويحملوا كلامَ الله ما لا يدلّ عليه.‏

فجعل سبحانه لِلمتشابهِ بابَينِ من البيان:‏

أحدُهما: ردُّ المتشابه إلى المُحكم، لأنّ المُحكمَ أصلٌ يُكشف به ما خفي، ويُفسَّر به ما أُجمل.‏

والثاني: الرجوعُ إلى الراسخين في العلم، وهم الذين ثَبَتَ قدمُهم في معرفةِ الكتابِ والسُّنّة، ‏وأشارت إليهم آيةُ الذكر: ﵟفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَﵞ [النحل:43].‏

فلا يكونُ المتشابهُ على هذا موضعًا للإبهام، بل له طريقُ بيانٍ ممهّد، وموردُ رجوعٍ مضبوط، ‏يُبطلُ تحكّمَ المتلاعبين، ويقطعُ طمعَ أهلِ الميلِ والزيغ.‏

وأمّا قولُه تعالى: ﵟوَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِﵞ [آل عمران:7]، فليس فيه ما يَدُلُّ ‏على أنّ العلماءَ يُؤمِنون بما لا يعرفون، بل فيه دلالةٌ على أنّ التأويلَ ـ وهو حقيقةُ المرادِ ‏ومَصيرُ المعنى ـ لا يُعطاه كلُّ أحد، بل يُخصُّ به أهلُ الذكر الراسخون في العلم، حفظًا لمعاني ‏الكتابِ من أن تمتدّ إليها أيديُ أهلِ الهوى.‏

ثمّ إنّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) قرنَ أهلَ بيتِه بالكتابِ، وجعلهما مَرجِعَ الأمّة إلى يوم القيامة، ‏فقال في حديثه المتواتر: ((إنّي تاركٌ فيكم خليفتين: كتابَ الله، وعترتي أهلَ بيتي، ولن يفترقا ‏حتى يَرِدا عليّ الحوض)) [صحيح الجامع الصغير للألباني، ج1، ص482؛ مسند أحمد بن ‏حنبل، برقم: 21654، تصحيح شعيب الأرنؤوط].‏

وقد فَصَل النبيُّ وأهلُ بيته (عليهم السلام) من معاني القرآنِ وأحكامِه ما أغنى الأمّة، ورفع ‏الإشكال، وأزال الريب، وروت عنهم الطائفةُ آلافَ الأخبار المبيِّنة، فما بقي بابٌ يُحتاج فيه إلى ‏بيانٍ إلّا وُجد له أصلٌ عندهم.‏

فكيف يُقال بعد ذلك إنّ القرآنَ طلاسمُ أو أنّ معانيه لا تُدرك؟!‏

بل هو كتابٌ ظاهرٌ بيّنٌ، محكمٌ في أصوله، محفوظٌ في متشابهه، لا يشتبهُ إلّا على مَن أعرضَ ‏عن أهله، أو طلبَ الهدى في غير موضعه.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين ‏الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة