مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

القرآن ينفي علم الغيب عن النبي (ص) بلحاظ طبيعته البشرية ويثبته بالوحي

السائل أبو رافع الإنباري النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 154 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

دليلنا على عدم علم الرسول صلى الله عليه وسلم بالغيب هو كتاب الله وفي آيتين، الأولى قوله تعالى: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم"، وقوله تعالى: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء": الأعراف: 188، وهذا لا يرضاه الروافض لأنه يخالف عقيدتهم.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

لم يدّع أحد من المسلمين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم الغيب بذاته مستقلا بذلك عن الله سبحانه وتعالى، بل إن الثابت المقطوع به هو علمه بالغيب بتعليم الله عز وجل له عن طريق الوحي، والآيتان انما تنفيان عنه العلم بالغيب بالذات والاستقلال، فقوله تعالى على لسان النبي (صلى الله عليه وآله): ﵟوَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْﵞ [الأحقاف:9]، هو نفي لعلم الغيب عن نفسه مستقلاً، وكذلك قوله تعالى حكاية عنه (صلى الله عليه وآله): ﵟوَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُﵞ [الأعراف:188].

ففي الآية الأولى نفي للعلم بمطلق الغيب واستشهاد له بمس السوء وعدم الاستكثار من الخير، وفي الآية الثانية نفي للعلم بغيب خاص وهو ما يفعل به وبهم من الحوادث التي يواجهونها جميعا، وهذا النفي في الآيتين جاء جواباً على من كانوا يزعمون أن المتلبس بالنبوة لو كان نبياً لوجب أن يكون عالما في نفسه بالغيوب، وذا قدرة غيبية مطلقة كما يظهر من اقتراحاتهم المحكية في القرآن، فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعترف أنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم، فينفي عن نفسه العلم بالغيب بالذات، وأن ما يجري عليه وعليهم من الحوادث خارج عن إرادته واختياره، وليس له في شيء منها صنع، بل يفعله به وبهم غيره، وهو الله سبحانه.

ونفي العلم بالغيب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية الأولى أو الثانية لا ينافي علمه بالغيب من طريق الوحي، كما يصرح تعالى به في مواضع من كلامه كقوله: ﵟذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَﵞ [آل عمران:44]، وقوله: ﵟتِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَﵞ [هود:49]، وقوله: ﵟعَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﵞ [الجن:27]، ومن هذا الباب قول المسيح (عليه السلام): ﵟوَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْﵞ [آل عمران:49]، وقول يوسف (عليه السلام) لصاحبي السجن: ﵟلَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَاﵞ [يوسف:37].

وهذه الآيات النافية للعلم بالغيب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن سائر الأنبياء (عليهم السلام)، إنما تنفيه عن طبيعتهم البشرية، بمعنى أن تكون لهم طبيعة بشرية، أو طبيعة هي أعلى من طبيعة البشر من خاصتها العلم بالغيب، بحيث يستعمله في جلب كل نفع ودفع كل شر كما نستعمل ما يحصل لنا من طريق الأسباب، وهذا لا ينافي انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي، كما أن إتيانهم بالمعجزات فيما أتوا بها ليس عن قدرة نفسية فيهم يملكونها لأنفسهم، بل بإذن من الله تعالى وأمر، قال تعالى: ﵟقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًاﵞ [الإسراء:93]، جوابا عما اقترحوا عليه من الآيات، وقال: ﵟقُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌﵞ [العنكبوت:50]، وقال: ﵟوَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّﵞ [المؤمن:78].

ويشهد بذلك قوله بعده متصلا به: ﵟإِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّﵞ، حيث قالت الآية: ﵟوَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّﵞ، فإن اتصاله بما قبله يعطي أنه في موضع الإضراب، والمعنى: أني ما أدري شيئا من هذه الحوادث بالغيب من قبل نفسي وإنما أتبع ما يوحى إلي من ذلك. وللاستزادة والتوسع في المطلب راجع تفسير الميزان [ج18، ص191].

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة