
أن لفظ "شيعة" في القرآن لم يرد إلا في مقام الذمّ، كقوله تعالى: ﴿يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: 65]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159]، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: 4]، ﴿وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 32]. وأن كلمة "شيعته" في ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15] جاءت في سياق الغواية، وليست مدحًا... وأن المدح ورد فقط في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 83]، لكن المقصود بها الاتباع في التوحيد لا المنهج... فالتشيّع صار عذابًا للمسلمين، إذ فرّقهم وأضعفهم، وإن كنت لا أكفّر الشيعة... وأدعوهم للرجوع إلى "ملة إبراهيم"، باعتبارها الإسلام الخالص الذي يسبق التحزّب والانقسام.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
ليس من الغريب أن يفتتح بعضهم حربه على التشيّع من معجم الألفاظ لا من محراب الدليل، فيتعلّق بألفاظٍ وردت في سياق الذمّ، ويظنّ أنّها تُدين مذهبًا بأكمله، دون تحقيقٍ في المعنى، أو تدبّرٍ في السياق، أو تمييزٍ بين العام والخاص، والمصداق والاسم.. ومن هذا الباب جاءت دعوى هذا المقال، إذ زعم أن لفظ "شيعة" لم يرد في القرآن إلا في مقام الذمّ، متغافلًا عن موارد المدح، وعن المعنى الحقيقيّ للتشيّع، الذي هو نصرة الحقّ والولاء لوصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وفي هذا الردّ، سنقف على هذا الزعم ونفكّك مبانيه، لنبين أن ما بُني على خطأ في الفهم لا يصحّ أن يكون هادمًا لعقيدةٍ خطّ النبي (صلى الله عليه وآله) معالمها الأولى بأمر ربّه.. وسيكون الردّ عبر النقاط الآتية، تفصيلًا وتفنيدًا، بإذن الله تعالى:
1 - من الخطأ البيِّن الخلط بين اللفظ و المصداق. فقول القائل إنّ لفظ "شيعة" ورد في مقام الذمّ لا يستلزم بالضرورة أن يكون كلُّ من انطبق عليه هذا اللفظ مذمومًا، كما لا يُقال إنّ كلَّ من سُمِّي "إنسانًا" داخلٌ في الذمّ لمجرّد قوله تعالى: ﵟوَكَانَ الإِنسَانُ كَفُورًاﵞ [الإسراء: 67]، وقال: ﵟإِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌﵞ [إبراهيم: 34]، وقال: ﵟإِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًاﵞ [المعارج: 19].، مع أنّ الإنسان ذاته قد مُدِح في مواضع أخرى من الكتاب المجيد.
فالمعيار ليس المفردة المجرّدة، بل السياق الذي وردت فيه، والمصداق الذي انطبق عليه الحكم. والعجب أن القوم يُنكرون دلالة آية المباهلة، ويمنعون الاحتجاج بـ آية التطهير بحجّة أنّ اللفظ عام، ثم يُحاكمون الشيعة بعنوان شيعة من حيث الاسم؟!.. أَوَلستم أنتم مَن يُكرّر دائمًا بأن العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟! فلماذا جعلتم العِبرة هنا بخصوص اللفظ لا بعموم المعنى؟!! فأيُّ قسطٍ هذا الذي يُكيل بمكيالين؟!
2 - بلاؤكم في فهم اللغة، لا في ردّ العقيدة!.. قال الله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ}، فجعلَ إبراهيمَ من "شيعةِ" نبيٍّ سابق، أي تابعًا له في العقيدة والمنهج.. فإذا كان هذا هو معنى "الشيعة"، فبِمَ يُذَمّ مَن اختار عليًّا إمامًا له بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
ولِمَ لا تُدافع عن تسمية "أهل السنّة" التي لا أصل لها في كتابٍ ولا سُنّة، بدلًا من أن تُدين تسميةً وردت في القرآن الكريم في مدحِ نبيٍّ من أولي العزم؟.. فهذه ليست مجرّد مغالطة، بل مسخرةٌ فكرية بامتياز!
3 - تناقضاتكم تفضحكم.. فإذا وردت "شيعة" في الذمّ قلتم: هذه فضيحة للشيعة!.. وإذا وردت في المدح، قلتم: لا علاقة لها بالتشيع!.. وإذا احتججنا عليكم بحديث الثقلين، قلتم: حديث آحاد لا يفيد اليقين!.. وإذا احتججنا عليكم بآية الولاية، قلتم: نزلت في الإمام عليّ (ع)، لكنها لا تدل على الإمامة!.. وإذا قلنا لكم: الإمام علي (ع) نَصَّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله) في الغدير، قلتم: لم يقل "خليفة بعدي" بنص صريح!.. فأيّ منهج هذا؟!.. لا تقبلون القرآن لأنه مجمل، ولا الحديث لأنه آحاد، ولا الواقع لأنه خالف من تحبّون!.. هل بقي من الحجّة شيء؟ أم أنكم لا تريدون الحقّ، وإن ظهر بأوضح من ضوء الشمس؟!
4 - هذا منطق أعوج؛ فإن كان كل من سُمّي "شيعة" داخلًا في الذم، فالرجل الذي كان من شيعة موسى في سورة القصص مذمومٌ لمجرد كونه "شيعيًّا"، مع أن القرآن قال: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾، ففرّق بين الشيعي والعدو.. فإذا كان الشيعي في الآية مذمومًا، فماذا تقول في موسى (عليه السلام) الذي نصره وكان من شيعته؟! وإن كان كونه "غويًّا" موجبًا للطعن في كل شيعي، فهل إذا فجر أحد الصحابة نطعن بجميع الصحابة؟!
وهنا نسألكم: أما في الصحابة من شرب الخمر؟! ومن فرّ يوم حنين؟! ومن ارتدّ بعد النبي؟! ومن نافق وكاد؟! فهل إذا قلنا "الصحابة" على الإطلاق، يلزم حمل الجميع على سيئات بعضهم؟! أم أنكم تحتجون علينا بقاعدة لا تحتملون تطبيقها على أنفسكم؟!
5 - زعمتَ أن التشيّع عذابٌ سلّطه الله على المسلمين، وأنه سبب البلاء الذي يُذيق بعضهم بأس بعض، ثم استشهدتَ بقوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}، وكأنّ الشيعة هم الساعون إلى سفك الدماء، والمفرّقون لوحدة الأمّة، والمُبدّعون لأهل القبلة، والمكفّرون للخلق باسم "السنة والجماعة"!.. ولكن نقول لك: أنّى للشيعة أن يكونوا هم العذاب، وهم أنفسهم المعذَّبون؟!
سل كتب التاريخ، واقرأ أنين المسجونين، واستعرض فتاوى أسلافك التي سُفِكت بها دماؤهم، فكانت تهمتُهم عندكم "روافض"، وجرمُهم حبُّ عليٍّ وآله.. وإن أردت معرفة من سلّ سيف الفتنة، فعد إلى سِيَر الأمويين، والعباسيين، والسلاجقة، والمماليك، والعثمانيين، فهل وجدت فيها حكمًا للشيعة؟!
أما من بيده زمام الحكم، وسيوف السلطة، وأبواق الإعلام، ومنابر الجمعة، فهم خصومهم الذين ما زالوا إلى اليوم يصيحون في الفضائيات "يا رافضة، يا مبتدعة".. فكيف يكون التشيّع عذابًا للأمة، وأهله منذ أكثر من ألف عام، إمّا في السجون، أو تحت السيوف، أو في بطون التاريخ يُفتَّش عنهم؟! فما أبعد ما بين الجلّاد والضحية!.. فالتشيّع ليس عذابًا، بل هو راية الحقّ المقهور، لا سِمَة الباطل الغالب.
6 - لو كان الاسم يُدين المسمّى، فهاتوا لنا آيةً واحدةً تُثني على "أهل السنّة والجماعة"!.. أنتم تشنّون الحرب على الشيعة لأن اسمهم "شيعة"، وتتوهّمون أن ورود هذا اللفظ في بعض الآيات في مقام الذم يُسقط المذهب كلّه، وتنسون – أو تتناسون – أن اسمكم أنتم لم يُذكر لا في كتابٍ ولا في سنّة!
فأين قال الله: "كونوا من أهل السنّة والجماعة"؟ وأين قال النبي: "من بعدي فالحقّ مع أهل السنّة"؟ وأين ذُكرت المذاهب الأربعة؟ أو الثلاثة من الصحابة الذين بايعهم الناس ثم قُدّست خلافتهم؟!
أما نحن، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة، بل والمتواترة عندكم، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "يا علي، أنت وشيعتك في الجنة"، وقال: "عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"، وغير ذلك من عشرات الأحاديث الصحيحة الثابتة. أ فنعرض عن هذه النصوص البيّنة، ونتمسّك بلفظة "شيعًا" الواردة في مقام ذمٍّ عام لا صلة له بعقيدتنا؟!
أما أنتم، فتسمّون أنفسكم بما لم يسمّكم الله به، وتُعظّمون ما لم يعظّمه الله، وتدافعون عن أسماء مُبتدعة، ثم تُحاكمون غيركم على مفردة قرآنية أُطلقت على نبيٍّ مُرسل كإبراهيم (عليه السلام)؟! فأيّ معيارٍ هذا؟! وأيّ عقلٍ هذا؟!
7 - القرآن الكريم ذمّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا، لكنه ميّز - بوضوح - بين التحزّب على الباطل، والانتماء إلى الحقّ.. ففي قصة موسى (عليه السلام)، قال تعالى: {هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}، فجعل التشيّع لموسى (عليه السلام) في مقابل العداوة، لا في مقابل الحقّ.. فهل تُذمّ شيعة موسى (عليه السلام)، وهم في مواجهة أعدائه؟!
8 - سؤال وجيه نضعه بين يديك، وبين يدي كل من يُثيره الغضب لمجرّد سماع اسم "الشيعة": ما هو التشيّع؟ أهو خروجٌ عن الإسلام؟ أم طعنٌ في النبوّة؟ أم تحريفٌ للقرآن؟ أم أنّه ببساطة: موالاةُ أهل البيت الذين أمرنا اللهُ بمحبّتهم، وأمرنا نبيُّه بالتمسّك بهم، وجعلهم أحد الثقلين، وقد شهد بذلك أكثركم من العلماء؟
فإن كان التشيّع هو اتّباع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، والتسليم لإمامة الأئمّة من ذرّية فاطمة، فما وجه الذمّ في ذلك؟! بل نقول: من لم يكن "شيعيًّا" بهذا المعنى، فهو خارجٌ عن وصيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، إذ قال: «إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتابَ الله، وعترتي أهل بيتي».
وما التشيّعُ إلا التمسّكُ بالعترة مع الكتاب، فهل هذا هو الذي تُنكره وتذمّه؟!
فثبت أن دعوى ذمّ التشيّع، لمجرّد ورود لفظه في بعض آيات الذمّ، دعوى باطلة لا تصمد أمام التحقيق؛ إذ العبرة بالمصداق لا بمجرد الاسم، والمقياس هو نصوص الثقلين، لا أوهام المتعصّبين. والتشيّع الذي مدحه القرآن في حقّ إبراهيم (عليه السلام)، وأثبته النبيّ (صلى الله عليه وآله) لشيعة عليّ (عليه السلام)، لا يكون مذمومًا إلا في عقولٍ أبت أن تُبصر نور أهل البيت (عليهم السلام).
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
