
يقول بعض من أعرفهم في نقاشٍ جرى بيني وبينه: "إن القرآن الذي نزل من عند الله تعالى هو فقط المعاني والمعارف الّتي نقلها جبريل إلى النبي الأكرم، وهو ممن قام بصياغتها بالألفاظ والجمل. ثمّ قدّم القرآن مكتوباً للمسلمين". نحتاج جوابكم، بارك الله فيكم.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
هذا الكلام يحتوي على مغالطة واضحة، وهي "تشويهُ المصطلح أو المفهوم"؛ إذ قام بتشويه مفهوم القرآن الكريم، الذي يُعدّ كلام الله بلفظه ومعناه، بوصفه بأنه "معاني ومعارف نقلها جبريل إلى النبي، وصاغها بالألفاظ والجمل"، وهذا مفهومٌ غير دقيق للقرآن الكريم.
إذاً، المغالطة هنا تكمن في تصوير القرآن على أنه نصٌّ صاغتهُ يدٌ بشرية في حين أن معانيه إلهيةٌ! وهذا التصوير غير دقيق، ويحرّف فهم القرآن الحقيقي وطبيعته.
لا إشكال، ولا خلاف بين المسلمين في أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمنذ أن عرف المسلمون الوحي السماويَّ، كان الاعتقاد السائد بينهم ـ وهو مستمر حتى يومنا هذا ـ أن القرآن الكريم بكل معارفه السماوية ومضامينه الإلهية ـ المعبَّر عنها في ألفاظه وجمله وتراكيبه المعهودة ـ قد نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد عدّ المسلمون ذلك ضرورة دينية، وقد قُدِّمت أدلةٌ كثيرة تُؤكد سماوية ألفاظ القرآن وبنيته الظاهرية، من نحو قوله سبحانه: ﵟوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهﵞ [التوبة:6]، وفي قوله تعالى: ﵟوَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهﵞ [البقرة:75]، وفي قوله: ﵟيُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهﵞ [الفتح:15]، فهذه الآيات تعلن صراحةً أنّ القرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنى؛ إذ عندما يكون للقائل عملٌ رئيس في اختيار وتنظيم الكلام وصياغة الجمل والتراكيب، تكون نسبة الكلام إليه صحيحة ومنطقية ومعقولة. أما عندما يتلقى شخصٌ مفاهيم من آخر، ثم يحولها إلى صيغ لفظية بنفسه، فينبغي أن يُنسب الكلام إلى هذا الشخص، ولن تكون نسبتها إلى الملقن منطقية ومقبولة عمومًا.. [يُنظر: التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص310؛ مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص44].
ومعلومٌ أنّ بنية القرآن الظاهرية وأسلوبه البديع، وبلاغته الفريدة، وفصاحته الاستثنائية، تشكل الجزء الأكبر من إعجازه، الأمر الذي أطبق عليه العلماء في ميادين فنون الكلام العربي، هذا، مع الالتفات إلى أن رسالة القرآن في التحدّي تدعو الجميع إلى الإتيان بمثل القرآن، من حيث بنيته الظاهرية وقالبه اللفظي، ليُثبتوا دعواهم.
فهذا التحدّي، وعجز المشركين عن الإتيان بمثله، يُعدّ دليلًا بارزًا على أنّ البنية الظاهرية للقرآن وقالبه اللفظي هو من عند الله تعالى، ولم يكن هناك دخلٌ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في صياغته. يقول الزرقاني في بيان هذا الدليل: ((إنّ الإعجاز منوطٌ بألفاظ القرآن، فلو أُبيحَ أداؤه بالمعنى لذهبَ إعجازه، وكانَ مظنة للتغيير والتبديل)) [مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص44].
ومن الآيات الدالة على سماوية ألفاظ القرآن، قوله تعالى: ﵟإِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف:3ـ4]، وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَﵞ [يوسف:12]، وقوله تعالى: ﵟ{وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَﵞ[الأحقاف:12].
هذه الآيات تنص بصراحة ووضوح على نسبة تركيبة القرآن وألفاظه العربيّة إلى الله سبحانه، كما جاء في قوله تعالى: ﵟقُرْآنًا عَرَبِيًّاﵞ، وﵟلِّسَانًا عَرَبِيًّاﵞ؛ إذ من الواضح أنّ (اللسان) و(العربية) لا ربط لهما بالمضمون أبدًا؛ حيث يُعَدُّان من خصائص تكوين الكلمات والهيكل الظاهري للنص، ولا حاجة لتوضيح أو تحليل إضافي، حيث يكمن وضوح المعنى في ذاته.
وفي آيات أخرى نص القرآن الكريم بوضوح على عدم تدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صياغة ألفاظه، وأن تبعيّته محضة للوحي الإلهي في ذلك، كقوله تعالى: ﵟقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّﵞ [يونس:15]، وقوله تعالى: ﵟوَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىﵞ [النجم: 3ـ4]، وقوله تعالى: ﵟوَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًاﵞ [الكهف:27].
وهناك مجموعة أخرى من الآيات تصرح بقراءة القرآن وتلاوته وإلقائه على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كقوله تعالى: ﵟوَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًاﵞ [الفرقان: 32]، وقوله تعالى: ﵟإِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُﵞ [القيامة: 17ـ18]، وقوله تعالى: ﵟقُلْ لَوْ شَاءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِﵞ [يونس:16]، وقوله تعالى: ﵟتِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَﵞ [البقرة:252]، وقوله تعالى: ﵟإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًاﵞ [المزمل: 5].
ومعنى القراءة والتلاوة في الآيات الكريمة بحسب المفهوم العرفي معلوم. وأما بحسب اللغة فقد جاء في بعض المعاجم: ((قرأت القرآن: لفظت به، وفي معناه التلاوة)) [لسان العرب، ج1، 128-129، مادة "قرأ وتلا"]. وجاء في بعضها الآخر: ((القراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة تارة بالقراءة وأخرى بالارتسام)) [مفردات الراغب، ص75، مادة "قرأ وتلا"].
ومعنى الترتيل: ((رتل: استوى، وانتظم، وحسُن تأليفه، ورتل الشيء: نسّقه، ونظمه. ورتل: جوّد تلاوته)) [المعجم الوسيط، ج1، ص327].
وبإنعام النظر في المفردات الواردة في تلك الآيات: {نَتْلُوهَا} و{تَرْتِيلًا} و{قَرَأْنَاهُ} و{قَوْلًا} ستلحظ بوضوحٍ أن مفهوم (التلاوة) و(القراءة) و(الترتيل) و(إلقاء القول) تندرج جميعها تحت مجال الألفاظ والتعابير. ومن الواضح أنّ هذه المصطلحات لا تحمل أيّ ارتباط بمضمونٍ أو معنى النص، ومن التأمل العميق والفحص الدقيق للآيات المتقدمة، بالإضافة إلى العديد من الآيات التي تبيِّن كيفية نزول الوحي على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يتضح بما لا يترك مجالًا للشك في أن ألفاظ القرآن، وتكوينه الظاهري، بالإضافة إلى محتواه السامي، أنه قد نزل من عند الله سبحانه على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ وظيفة الوحي والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن سوى الوساطة في تلقي هذا المكتوب والمقروء، وإبلاغه إلى الناس.
وفي قوله تعالى: ﵟوَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍﵞ [الاسراء:106] المراد من القرآن هو هذا الذي بين أيدينا، وأنه هو الذي يقرأه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس، امتثالًا لقوله تعالى: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ}، فالله تعالى عندما يقول: "نحن نزلنا القرآن" "وفرقناه" ... إلخ إنما يريد أن هذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين بلفظه ومعناه منزل من عنده ، لا أنه أنزل معانيه، ثم جعل له النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو جبرئيل لفظًا ، فإنّ هذا يكون مجازًا، لا يصار إليه إلا بقرينة ، وهي مفقودة هنا. [يُنظر: بحوث في تاريخ القرآن وعلومه، للزرندي، ص85].
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
