مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

القرآن عربيّ اللسان عالميّ الدعوة

السائل راشد النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 52 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

كيف يكون الله خالق كل اللغات ولا يستطيع ترجمة القران الى اي لغة اذن القران ‏فقط للعرب!!‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

إنّ هذا الإستشكال مبنيٌّ على الغفلة عن حكمة الله تعالى في اختيار اللغة العربيّة، وما في ذلك ‏من جعلها لسانَ الحفظ الإلهيّ الذي تُصان به الحُجّة، وتُبلَّغ به الرسالة.‏

فالله جلّ شأنه لم يجعل العربيّة تمييزًا لجنسٍ دون آخر، ولا تشريفًا لقومٍ دون سائر الأقوام، بل ‏اختارها وعاءً لمعاني الوحي، لأنّها أوسعُ الألسنة بيانًا، وأقدرُها على أداء دقائق المعاني الإلهيّة ‏بأوجز لفظٍ وأبلغ تركيب؛ إذ هي لسانٌ بلغت فيه الكلمةُ مبلغَ الصورة الحيّة والمعنى الناطق، ‏فإذا وُضعت في موضعها أنطقت الفكر، وأحكمت الحُجّة، وأعجزت الفصحاء عن معارضتها، ‏ولهذا كان نزولُ القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ من مقتضى الحكمة، لا من مقتضى الخصوصيّة ‏القوميّة، إذ لم يكن المقصودُ أن يُوجَّه الخطاب إلى العرب وحدهم، بل أن يُجعل اللسانُ العربيّ ‏القادرُ على حمل الوحي وحفظه هو الوعاءَ الأمينَ لحمايته من التحريف، فبه تحقّق قولُه تعالى: ‏‏ﵟإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَﵞ [الحجر:9]، ولو نزل القرآنُ بلغاتٍ متعدّدةٍ لوقع ‏الاختلافُ في الألفاظ، وتفاوتت الدلالات، ولارتفع وجهُ الإعجاز القائمُ على وحدة النظم، فسقط ‏بذلك ضمانُ الحفظ الذي أراده الله سبحانه.‏

وأمّا من توهّم أنّ عدمَ ترجمة القرآن قصورٌ في القدرة، فقد جهل حقيقةَ الترجمة ومحلَّ ‏الإعجاز؛ فإنّ الترجمة ليست نقلًا للحقيقة اللفظيّة، بل تقريبٌ للمعنى العامّ إلى الأذهان، والقرآنُ ‏الكريم ليس كتابَ معانٍ مجرّدة، بل هو كلامٌ إلهيٌّ ذو نظامٍ مخصوصٍ وإيقاعٍ معجزٍ وتركيبٍ لا ‏يقوم له نظير، فالإعجاز فيه قائمٌ في النظم والبيان والتركيب، لا في المفهوم الذهنيّ وحده.. ‏ولذلك فإنّ ما يُنقل إلى اللغات الأخرى إنّما هو تفسيرٌ للمعنى لا ترجمةٌ للنصّ، لأنّ الترجمة لا ‏تُبقي للنظم أثرًا، ولا للأسلوب رونقًا، ولا للإعجاز مقامًا. ‏

ومن طلب ترجمةً تحفظ الإعجاز فقد طلب محالًا، لأنّ الإعجاز في النظم نفسه، وهو سرٌّ مودَعٌ ‏في بناء الجملة كما تُودَع القوّةُ في الدواء المركّب، فإذا غُيّر تركيبُه بطلت فاعليّتُه وإن بقي ‏اسمُه.‏

وعليه، فإنّ عربيّة اللسان لا تقيّد عالميّة الدعوة، لأنّ الخطاب وإن ورد بلسانٍ واحدٍ، فقد شمل ‏الناسَ أجمعين بمضمونه، فالمعاني الكلّية التي يتضمّنها القرآن تُبلَّغ إلى الأمم كافّةً بألسنتها، أمّا ‏النصّ نفسه فيُحفَظ بلفظه العربيّ لتبقى الحُجّةُ قائمةً على وجهها الذي نزلت به، ولهذا قال ‏سبحانه: ﵟقُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًاﵞ [الأعراف:158]، فعمّم الخطابَ لجميع ‏البشر مع بقاء النصّ عربيًّا، لأنّ وحدة اللسان تحفظ وحدة المعجزة، وعمومَ المعنى يحقّق شمولَ ‏الدعوة.‏

ولئن قيل: ما الحكمةُ في إبقاء النصّ العربيّ مع أنّ سائر الأمم تختلف ألسنتُها؟

قلنا: إنّ الحفظ لا يتحقّق إلا بوحدة الصيغة، كما أنّ تركيبَ الدواء لا يُحفظ إلا بإبقاء نسب ‏عناصره على حالها، فلو غُيّرت ألفاظُ القرآن كما تُغيَّر مقاديرُ الدواء فسد الأثرُ وذهب الإعجاز، ‏وإن بقي المعنى العامّ الذي هو الهداية.‏

فالمعنى يمكن بيانُه بكلّ لسان، وأمّا الإعجاز فلا يُدرَك إلا بلفظٍ عربيٍّ مخصوصٍ أودع اللهُ ‏سبحانه فيه أسرارَ البيان.‏

والنتيجة، أنّ القرآن الكريم عربيّ اللسان، لا لأنّ الهداية مخصوصةٌ بالعرب، بل لأنّ الحُجّة ‏محفوظةٌ بلسانٍ واحدٍ لا يتطرّق إليه التبديل، فهو كتابٌ للعالمين جميعًا، ووعاؤه العربيّ ضمانُ ‏حفظه وبقائه على النحو الذي أراده الله عزّ وجل. ‏

فالحكمةُ إذن ليست في تضييق الخطاب على قوم، بل في إبقاء المعجزة على هيئتها الأولى ‏لتظلّ شاهدًا على صدق الرسالة إلى يوم الدين، كما قال جلّ شأنه: ﵟوَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَﵞ ‏‏[القلم:52].‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة