
كيف يكون الله خالق كل اللغات ولا يستطيع ترجمة القران الى اي لغة اذن القران فقط للعرب!!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ هذا الإستشكال مبنيٌّ على الغفلة عن حكمة الله تعالى في اختيار اللغة العربيّة، وما في ذلك من جعلها لسانَ الحفظ الإلهيّ الذي تُصان به الحُجّة، وتُبلَّغ به الرسالة.
فالله جلّ شأنه لم يجعل العربيّة تمييزًا لجنسٍ دون آخر، ولا تشريفًا لقومٍ دون سائر الأقوام، بل اختارها وعاءً لمعاني الوحي، لأنّها أوسعُ الألسنة بيانًا، وأقدرُها على أداء دقائق المعاني الإلهيّة بأوجز لفظٍ وأبلغ تركيب؛ إذ هي لسانٌ بلغت فيه الكلمةُ مبلغَ الصورة الحيّة والمعنى الناطق، فإذا وُضعت في موضعها أنطقت الفكر، وأحكمت الحُجّة، وأعجزت الفصحاء عن معارضتها، ولهذا كان نزولُ القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ من مقتضى الحكمة، لا من مقتضى الخصوصيّة القوميّة، إذ لم يكن المقصودُ أن يُوجَّه الخطاب إلى العرب وحدهم، بل أن يُجعل اللسانُ العربيّ القادرُ على حمل الوحي وحفظه هو الوعاءَ الأمينَ لحمايته من التحريف، فبه تحقّق قولُه تعالى: ﵟإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَﵞ [الحجر:9]، ولو نزل القرآنُ بلغاتٍ متعدّدةٍ لوقع الاختلافُ في الألفاظ، وتفاوتت الدلالات، ولارتفع وجهُ الإعجاز القائمُ على وحدة النظم، فسقط بذلك ضمانُ الحفظ الذي أراده الله سبحانه.
وأمّا من توهّم أنّ عدمَ ترجمة القرآن قصورٌ في القدرة، فقد جهل حقيقةَ الترجمة ومحلَّ الإعجاز؛ فإنّ الترجمة ليست نقلًا للحقيقة اللفظيّة، بل تقريبٌ للمعنى العامّ إلى الأذهان، والقرآنُ الكريم ليس كتابَ معانٍ مجرّدة، بل هو كلامٌ إلهيٌّ ذو نظامٍ مخصوصٍ وإيقاعٍ معجزٍ وتركيبٍ لا يقوم له نظير، فالإعجاز فيه قائمٌ في النظم والبيان والتركيب، لا في المفهوم الذهنيّ وحده.. ولذلك فإنّ ما يُنقل إلى اللغات الأخرى إنّما هو تفسيرٌ للمعنى لا ترجمةٌ للنصّ، لأنّ الترجمة لا تُبقي للنظم أثرًا، ولا للأسلوب رونقًا، ولا للإعجاز مقامًا.
ومن طلب ترجمةً تحفظ الإعجاز فقد طلب محالًا، لأنّ الإعجاز في النظم نفسه، وهو سرٌّ مودَعٌ في بناء الجملة كما تُودَع القوّةُ في الدواء المركّب، فإذا غُيّر تركيبُه بطلت فاعليّتُه وإن بقي اسمُه.
وعليه، فإنّ عربيّة اللسان لا تقيّد عالميّة الدعوة، لأنّ الخطاب وإن ورد بلسانٍ واحدٍ، فقد شمل الناسَ أجمعين بمضمونه، فالمعاني الكلّية التي يتضمّنها القرآن تُبلَّغ إلى الأمم كافّةً بألسنتها، أمّا النصّ نفسه فيُحفَظ بلفظه العربيّ لتبقى الحُجّةُ قائمةً على وجهها الذي نزلت به، ولهذا قال سبحانه: ﵟقُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًاﵞ [الأعراف:158]، فعمّم الخطابَ لجميع البشر مع بقاء النصّ عربيًّا، لأنّ وحدة اللسان تحفظ وحدة المعجزة، وعمومَ المعنى يحقّق شمولَ الدعوة.
ولئن قيل: ما الحكمةُ في إبقاء النصّ العربيّ مع أنّ سائر الأمم تختلف ألسنتُها؟
قلنا: إنّ الحفظ لا يتحقّق إلا بوحدة الصيغة، كما أنّ تركيبَ الدواء لا يُحفظ إلا بإبقاء نسب عناصره على حالها، فلو غُيّرت ألفاظُ القرآن كما تُغيَّر مقاديرُ الدواء فسد الأثرُ وذهب الإعجاز، وإن بقي المعنى العامّ الذي هو الهداية.
فالمعنى يمكن بيانُه بكلّ لسان، وأمّا الإعجاز فلا يُدرَك إلا بلفظٍ عربيٍّ مخصوصٍ أودع اللهُ سبحانه فيه أسرارَ البيان.
والنتيجة، أنّ القرآن الكريم عربيّ اللسان، لا لأنّ الهداية مخصوصةٌ بالعرب، بل لأنّ الحُجّة محفوظةٌ بلسانٍ واحدٍ لا يتطرّق إليه التبديل، فهو كتابٌ للعالمين جميعًا، ووعاؤه العربيّ ضمانُ حفظه وبقائه على النحو الذي أراده الله عزّ وجل.
فالحكمةُ إذن ليست في تضييق الخطاب على قوم، بل في إبقاء المعجزة على هيئتها الأولى لتظلّ شاهدًا على صدق الرسالة إلى يوم الدين، كما قال جلّ شأنه: ﵟوَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَﵞ [القلم:52].
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
