مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الانتفاع بالمهديّ المنتظر في غيبته كالانتفاع بالشمس المختفية

السائل مرتضى البصري النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 230 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

هل سيظهر الإمام المهديّ (عليه السلام) في هذه النشأة أم في نشأةٍ أخرى؟ وما فائدة ظهوره؟ وما الوظيفة التي يؤديها في غيبته

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

المتفَق عليه أنَّ ظهور الإمام المهديّ (عليه السلام) هو في هذه الدنيا وهذه النشأة، دلت عليه جملةٌ من الروايات، كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلًا من ولدي، اسمه اسمي، فقام سلمان الفارسي، فقال: يا رسول الله، من أيّ ولدك؟ قال: من وَلدي هذا. وضرب بيده على الحسين)) [المنار المنيف لابن القيم، ص148، 329؛ عقد الدرر، ص45؛ ذخائر العقبى، ص136].

فهذه الرواية تدلّ على أنّ الظهور هو في هذه الدنيا لا في غيرها، وما يرد بخلاف ذلك لا يوجد دليلٌ ناهض عليه.

أما الفائدة من وجود الإمام المهديّ (عليه السلام) فهي تكمن في عمله في أنه إمامٌ معصوم من أئمة العترة الطاهرة، حيث يحفظ الدين، ويصونه من التحريف والتلاعب الذي يقوم به أصحاب الأهواء والزيغ. ومن الإمام المهديّ (عليه السلام) نستمد تعاليم الإسلام الحقيقية والتفسير الصحيح للقرآن الكريم والسنة النبوية.

أمّا وظيفته (عليه السلام) حال غيبته فقد ذكرت الروايات عندنا بأنَّ للإمام (عليه السلام) زمن الغيبة عملين:

الأوّل: تكوينيّ حفظيّ، وهو ما ورد بنحوٍ متظافر يبلغ حدّ التواتر بأنَّ الأرض لا يمكن أن تبقى بغير إمامٍ معصوم، وإلّا ساخت - أي انخسفت – بأهلها. [راجع: الكافي، ج1، ص178 باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة؛ بصائر الدرجات للصفار، ص508 باب الأرض لا تخلو من الحجّة، كمال الدين للصدوق، ص201 باب العلّة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام].

وهذا العمل لا يختصّ بالإمام المهدي (عليه السلام)، بل هو شاملٌ لكلّ الأئمة، ومع ذلك فقد ورد عن الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه الشريف) نفسه قوله، كما في التوقيع الشريف: ((وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء)) [كمال الدين، للصدوق، ص485، الغيبة، للطوسي، ص293].

والمعنى المذكور عن عمل أهل البيت (عليهم السلام) التكويني الحفظي لم تقتصر عليه مرويات الشيعة الإمامية فقط، بل ذكرته مرويّات أهل السنّة أيضًا، فقد روى السيوطي والحاكم وغيرهما بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((أهل بيتي أمانٌ لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعَدون))، حسّنه السيوطي، وصححه الحاكم النيسابوري. [راجع: الإكمال في أسماء الرجال، للخطيب التبريزي، ص201؛ المستدرك على الصحيحين، ج2، ص448، ج3، ص457].

وكذلك ما ورد من أحاديث كثيرة بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) أمانٌ لأهل الأرض، ويشير إلى ذلك ابن حجر الهيتمي في صواعقه، حيث قال: ((السابعة: قوله تعالى: {وَما كانَ ا للهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}، أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى وجود هذا المعنى في أهل بيته، وأنّهم أمان لأهل الأرض كما كان هو صلَّى الله عليه وآله وسلم أمانًا لهم، وفي ذلك أحاديث كثيرة)). [الصواعق المحرقة، ص334-335].

وفي هذه الأحاديث الواردة عند أهل السنّة دلالةٌ واضحة على وجود الإمام المهديّ (عليه السلام) حيًّا بين ظهراني الأمّة، وإلّا فإذا فسّرنا هذه الأحاديث بما يقوله البعض بأنّه سيولد، ويظهر بعد ذلك فهذا معناه خلوّ الأرض من أهل البيت، وهو مخالفٌ لظهور هذه الأحاديث بأنّ حفظ الأرض وأهلها مقرونٌ بوجود أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

قال المناوي الشافعي في "فيض القدير" عند شرحه لحديث الثقلين الوارد فيه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض): (("تنبيه" قال الشريف: هذا الخبر يُفهِم وجود من يكون أهلًا للتمسُّك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كلّ زمن إلى قيام الساعة حتّى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به كما أنَّ الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أمانًا لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض)) [فيض القدير، ج3، ص20].

العمل الثاني: عملٌ لطفيٌّ خاصٌّ، فقد ورد في رسالة الإمام الحجّة (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد والتي ذكرها في كتابه المزار من قوله (عليه السلام): ((إنّا غير مهمِلين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء، واصطلمكم الأعداء)) [المزار، ص8]، والمراد باللأواء: الشدّة وضيق المعيشة، واصطلمكم: أي استأصلكم.

أو كما جاء عنه (عليه السلام): ((وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب)) [كمال الدين، للشيخ الصدوق، ص485].

وهذا الكلام منه (عليه السلام) يكشف عن الغياب الحاضر، فالشمس حاضرةٌ موجودة وراء الغيوم وإن كانت غائبة عن الأنظار؛ إذ لم يمنعها هذا الغياب والاستتار وراء الغيوم من إيصال نورها إلى الأرض والانتفاع به سائر النهار.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة