مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الإمامة امتداد لمرتبة النبوة بفارق الوحي والتنزيل

السائل رجاء مسير النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 462 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يقول الرافضة بأن الإمامة - التي هي لا أساس لها أصلا في شريعة الله - أفضل من النبوة ولكى أكون صادقا إلا نبوة رسول الله. هنا وقفه.. الله عز وجل كان يوحي إلى الأنبياء بالوحي، فهل عليّ وباقي الأئمة يوحى إليهم؟! وهل انقطع الوحي بعد موت رسول الله؟ أم كان يتنزل على فاطمة وعلى أئمتكم كما تدعون؟! وإن كان الوحي بقى بعد موت رسول الله فأين التشريع الذى نزل به على عليّ وباقي الأئمة من قبل الله؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين ..

ألم تقرأ القرآن؟ ألم تعترضك آيات تنص على أن الله تعالى جعل إبراهيم الخليل (عليه السلام) إماماً للناس وجعل الإمامة في ذريته دون الظالمين منهم، وآيات تصرح بأن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أولى الناس بإبراهيم؟! ألم تعترضك آيات تدل على أن الوحي يكون لغير الأنبياء؟!

فقولك (الإمامة لا أساس لها أصلا في شريعة الله)، مردود: بأن كلمة "الإمامة" وردت في غير ما موضع من القران، كقوله تعالى: ﵟقَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًاﵞ [البقرة:124]، وقوله تعالى: ﵟوَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَﵞ [السجدة:24]، وقوله تعالى: ﵟوَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِﵞ [الأنبياء:73]، وقوله تعالى: ﵟيَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْﵞ [الاسراء:71]، وقوله تعالى: ﵟوَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَﵞ [القصص:5].

فقد خص الله عز وجل إبراهيم الخليل (عليه السلام) وشرفه بالإمامة بعد النبوة والخلة، ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة دون سواهم، فقال: ﵟوَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَﵞ [الأنبياء:73]، فلم تزل الإمامة في ذريته، حتى ورثها الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال سبحانه: ﵟإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَﵞ [آل عمران:68]. فكانت له (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة، فقلدها للأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) وهم بلا شك من ذرية إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وقد تواتر عنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنه قال للحسين (عليه السّلام): ((هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم، اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا))، فقد نقل القندوزي الحنفي في "ينابيع المودّة" عن الحمويني، وموفق بن أحمد، عن سلمان الفارسي، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قال للحسين (عليه السّلام): ((أنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأنت سيّد ابن سيّد وأخو سيّد، وأنت حجّة وابن حجّة وأخو حجّة وأبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم)) [ينابيع المودة، ص455].

وعليه، فإن مرتبة الإمامة هي امتداد لمرتبة النبوة بفارق الوحي والتنزيل، وأن النبوة إرشاد، والإمامة قيادة، ووظيفة النبي هي التبليغ ﵟوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُﵞ [النور:54]. أما وظيفة الإمام فهي ممارسة الإمامة والقيمومة والقيادة.

والشيعة يعتقدون، كما أن النبوة من عند الله، فكذلك الإمامة هي من عند الله عزّ وجل أيضا، وهم لا يميزون في هذه الجهة ولا يفصلون بين الإرشاد والقيادة، فكلاهما يكونان من عند الله عزّ وجل.

ثانياً: قولك (الله عز وجل كان يوحي إلى الأنبياء بالوحي، فهل عليّ وباقي الأئمة يوحى إليهم؟! وهل انقطع الوحي بعد موت رسول الله؟ أم كان يتنزل على فاطمة وعلى أئمتكم كما تدعون؟! وإن كان الوحي بقي بعد موت رسول الله فأين التشريع الذي نزل به على عليّ وباقي الأئمة من قبل الله؟).

وجوابه: أنه لم يدع الشيعة الإمامية أن الله يوحي إلى علي وفاطمة وسائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى فرض صحة المدعى، فالوحي لا يستلزم النبوة ولا تشريع، فإن الله جل شأنه أوحى إلى أُم موسى (عليه السلام)، فقال: ﵟوَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِيﵞ [القصص:7].

قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﵟقَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى. إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىﵞ [طه:36-38]: ((اتفق الأكثرون على أن أُم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل، فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء. وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة، بل عند الشافعي لا تمكَّن من تزويج نفسها، فكيف تصلح للنبوة؟! ويدل عليه قوله تعالى: ﵟ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْﵞ [يوسف:109]، وهو صريح في الباب، وأيضاً فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة، قال تعالى: ﵟوَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِﵞ [النحل:68]، وقال: ﵟوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَﵞ [المائدة:111])) [تفسير الرازي، ج22، ص51].

وقال القرطبي: ((قال ابن عباس رضي الله عنهما: أُوحي إليها كما أوحي إلى النبيين)) [تفسير القرطبي، ج11، ص196].

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة