
سيدنا الكريم، وقفنا على كلامٍ للدكتور علي الوردي في كتابه [من وحي الثمانين، ص50]، يقول فيه: ((لم يشهد التاريخ رجلاً فرّق الجماعة كعلي بن أبي طالب، وأورث هذه النزعة لأولاده))، هذا الكلام يناقض ما نعرفه من سيرة الإمام، وحصل بيننا جدال حول شخصية الوردي... فكيف ترون هذا القول؟ وما ردّكم عليه؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
لقد رُسمت حول علي الوردي صورةٌ أكبر من حجمه العلمي الحقيقي، حتى صار بعض القرّاء يتعاملون معه كأنه مفكّرٌ لا يُخطئ، مع أنّه في حقيقته كاتبُ ملاحظاتٍ اجتماعية، لا مؤرّخًا ولا محقّقًا في التراث.
والمشكلة ليست في الوردي وحده، بل في الذين انبهروا باسمه، فصار ما يقوله عندهم مسلّمة، وما يكتبه حقيقةً جاهزة. ولكنّ الوردي ما إن يقترب من تاريخ الإسلام، وخصوصًا من مقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتّى يظهر ضعفُه، وينكشف نقص معرفته، لأنّه يتكلّم في ميدانٍ لا يمتلك أدواته. فهو لا يعرض قراءةً مدروسة، بل يردّد ما سمعه من رواياتٍ مضطربة امتلأت عبر التاريخ بالتحامل على أهل البيت (عليهم السلام).
والكلام الذي نقله عن الإمام علي (عليه السلام) ليس رأيًا علميًا، بل صورةٌ مشوّهة تخالف التاريخ والإنصاف.
فمن يطالع سيرة الإمام علي (عليه السلام) يعرف أنّه لم يكن يومًا مفرّقًا للجماعة، بل كان أحرص الناس على جمعها، وأنّ الفتن التي اشتعلت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إنّما وقعت لأنّ الحقّ أُقصي عن موضعه، لا لأنّ عليًّا (عليه السلام) طالب بما هو له.
وهنا تبرز شهادةٌ قاصمة من عالمٍ كبيرٍ من علماء المسلمين، تكشف أصل الداء ومنشأ التفرّق الذي مُنِيَت به الأمة، فقد صرّح الإمام الغزالي في كتابه (سرّ العالمين)، وهو يتحدّث عن واقعة الغدير وما ترتّب عليها، قائلًا:
((أسفرت الحجّة وجهها، واتّفق الناس على متن الحديث من خطبته يوم غدير خم، حين قال النبي: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. فقال عمر: بخٍ بخٍ يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. فهذا تسليمٌ ورضىً وتحكيم. ثمّ بعد ذلك غلب الهوى بحبّ الرياسة، وحمل عمود الخلافة، واشتياق البنود والرايات، وطلب فتح الأمصار؛ فسقاهم الهوى كأسه، فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوا الحقّ وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا)) [مجموعة رسائل الإمام الغزالي، كتاب سر العالمين، ص483].
وهذا النصّ الصريح يدلّ ـ بلا مواربة ـ على أنّ أصل التفرّق إنّما نشأ من مخالفة النصّ وترك ما أوصى به النبيّ (صلى الله عليه وآله)، لا من موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا من سيرة أبنائه الطاهرين. وما جرى بعد ذلك من افتراقٍ وتمزّق لم يكن إلّا ثمرةً مُرّةً لذلك الانحراف الأول.
ومن هنا يتبيّن أنّ ما قاله الوردي ليس تحليلًا، بل تكرارٌ غير واعٍ لما نبّه إليه الغزالي قبل قرون.
فالقول بأنّ عليًّا «أورث أولاده نزعةً هدامة» قولٌ ساذج لا يستند إلى عقلٍ ولا تاريخ.
فأيّ نزعةٍ هدامة ورثها الحسن (عليه السلام) وهو الذي تنازل عن الحكم ليحقن الدماء؟
وأيّ هدمٍ جاء به الحسين (عليه السلام) وهو الذي نهض لإصلاح الأمة؟
وأيّ فسادٍ يُنسب إلى الباقر والصادق (عليهما السلام) وهما اللذان ملآ الدنيا علمًا وحكمة؟
إنّ من يصف هؤلاء الهداة الأطهار بأنّهم يمزّقون المجتمع، إنما يكشف عن خللٍ في فهمه، لا عن قراءةٍ حقيقية للتاريخ.
وما فعله الوردي هنا ليس تحليلًا، بل تكرارٌ باهتٌ لخطابٍ قديم صاغته السياسة في صراعها مع أهل البيت (عليهم السلام)، وقد حاول أن يغطي انحيازه بعبارات (الطبيعة البشرية) و(الرؤية الاجتماعية)، لكنّ النصّ يكشف أنّه لم يطّلع على سيرة الإمام علي (عليه السلام) إلّا من نافذةٍ واحدة، ضيّقةٍ ومتحيّزة.
وبصراحة، هذا الكلام ليس زلّةً بسيطة، بل سقوطٌ فكريّ لا يليق بمن يدّعي أنه أستاذٌ في علم الاجتماع والتاريخ.. فمقام علي (عليه السلام) لم تستطع سيوفُ الأمويين أن تنال منه، فكيف تنال منه صفحاتٌ كُتبت بلا علمٍ ولا تمحيص؟
إنّ عليًّا (عليه السلام) لم يفرّق الأمة يومًا؛ بل كان يفرّق بين الحقّ والباطل، وهذه هي التهمة التي لا يتحمّلها إلّا من أعماه بريقُ القوى المتغلّبة، أو عجز عن فهم عدله الذي لم يجامل فيه أحدًا.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
