
الحديث في (المهدي) صحيح يولد وليس بغائب ولا يثبت مكانه وزمنه ولا يُسمى (المنتظر) لأنا لا ننتظر أحدا لنعمل فنحن وهو وعيسى إذا نزل نعمل بالقرآن.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
إذا أنعمت النظر في كلمات علمائكم التي سنوردها تباعاً، وتأملت في ألفاظهم: (خروج) و(المنتظر) و(ظهوره) و(آخر الزمان)، وجعلتها بإزاء نص حديث الثقلين الثابت المتواتر القاضي بضرورة استمرار وجود معصوم، لا يفارق الكتاب ولا يفارقه الكتاب، وجمعت بينه وبين أحاديث (خلفائي من بعدي اثنا عشر)، وأنّ هؤلاء الخلفاء هم عليّ والحسن والحسين وتسعة من صلب الحسين (عليهم السلام) ينتهون بالمهدي المنتظر، كما هو نصّ عشرات الروايات من الفريقين، حتماً ستنتهي إلى نتيجة تثبت لك بالدلالة الإلتزاميّة العقليّة، أنّ الإمام الثاني عشر حيٌّ يُرزق لكنّه غائب مستور عن الخلق لحكمة إلهيّة في ذلك.
فقد جاء عن السفاريني في "لوامع الأنوار البهية"، قوله: ((وقد كثرت بخروجه الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عُدّ من معتقداتهم)). إلى أن قال: ((وقد روي عمن ذُكر من الصحابة وغير من ذُكر منهم رضي الله عنهم، بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة)) [ج2، ص84].
ونقل جلال الدين السيوطي في كتابه "العرف الوردي في أخبار المهدي"، عن الشوكاني في كتابه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح"، قوله: ((والأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر، التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول...)) [العرف الوردي في أخبار المهدي، للسيوطي، ص43].
قال ابن كثير: ((والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت، كما دل على ذلك بعض الأحاديث)) [النهاية في الفتن والملاحم، ج1، ص56].
وقال ابن القيم في "المنار المنيف": ((إنه رجلٌ من أهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- من ولد الحسين بن علي - رضي الله عنهما - يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلاً، وأكثر الأحاديث على هذا تدل)) [المنار المنيف، ص148].
وقال الشيخ منصور علي ناصف في كتابه (التاج الجامع للأصول): ((اشتهر بين العلماء سلفاً وخلفاً، إنّه في آخر الزمان، لابدّ من ظهور رجل من أهل البيت، يسمّى المهدي، يستولي على الممالك الإسلاميّة، ويتبعه المسلمون، ويعدل بينهم، ويؤيّد الدين، وبعده يظهر الدجّال، وينزل عيسى (عليه السلام) فيقتله، أو يتعاون عيسى مع المهدي على قتله. وقد روى أحاديث المهدي، جماعة من خيار الصحابة، وخرّجها أكابر المحدّثين، كأبي داود والترمذي، وابن ماجة...، ولقد أخطأ من ضعّف أحاديث المهدي كلّها، كابن خلدون وغيره)) [التاج الجامع للأصول، ج5، ص341].
وقد ردَّ علماء أهل السنة على منكري خروج الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، وبيَّنوا فساد قولهم، ومن هؤلاء العلماء، ابن تيمية في "منهاج السنة"، والألباني في "قصة المسيح الدجال"، والشيخ عبد المحسن بن حمد العباد في رسالته "الرد على مَن كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي"، والشيخ التويجري في كتابه "الاحتجاج بالأثر على مَن أنكر المهدي المنتظر".
وعقيدة عدم خلو كُلّ زمان من معصوم، ليست من مختصات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كما قد يتوهم بعضهم، بل هناك جملة من أعلام المسلمين، ذهبوا إلى ضرورة وجود معصوم في كُلّ زمان.
قال الفخر الرازي في تفسيره، ذيل قوله تعالى :ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَﵞ [التوبة:119]: ((إنّه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين. ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بدّ من وجود الصادقين في كُلّ وقت... فإن قيل: لِم لا يجوز أن يقال: إنّ المراد بقوله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أي كونوا على طريقة الصادقين، كما أنّ الرجل إذا قال لولده: كن معه الصالحين، لا يفيد إلاّ ذلك. سلمنا ذلك، لكن نقول: إنّ هذا الأمر كان موجوداً في زمان الرسول فقط، فكان هذا أمراً بالكون مع الرسول، فلا يدلّ على وجود صادق في سائر الأزمنة... والجواب عن الأول: إنّ قوله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أمر بموافقة الصادقين، ونهي عن مفارقتهم، وذلك مشروط بوجود الصادقين. وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب. فدلّت هذه الآية على وجود الصادقين. وقوله: إنّه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين، فنقول: إنّه عدول عن الظاهر من غير دليل. قوله: هذا الأمر مختص بزمان رسول الله عليه الصلاة والسلام: قلنا: هذا باطل لوجوه: الأول: إنّه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد (عليه الصلاة والسلام) أنّ التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة إلى المكلفين إلى قيام القيامة، فكان الأمر في هذا التكليف كذلك.
الثاني: أنّ الصيغة تتناول الأوقات كلها بدليل صحة الاستثناء.
الثالث: لما لم يكن الوقت المعيَّن مذكوراً في لفظ الآية، لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حمله على الباقي، فإما أن لا يحمل على شيء من الأوقات، فيفضي إلى التعطيل وهو باطل، أو على الكلّ وهو المطلوب.
الرابع: وهو أنّ قوله: ﵟا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَﵞأمر لهم بالتقوى، وهذا الأمر إنما يتناول من يصحّ منه أن لا يكون متقياً، وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ فكانت الآية دالة على أنّ من كان جائز الخطأ، وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة، وهم الذين حكم الله بكونهم صادقين. فهذا يدلّ على إنّه واجب على جائز الخطأ، كونه مع المعصوم عن الخطأ، حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعاً لجائز الخطأ عن الخطأ. وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب حصوله في كُلّ الأزمان)) [تفسير الرازي، ج16، ص166-167].
وقال أيضاً في ذيل قوله تعالى: ﵟيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنكُمْﵞ [النساء:59]: ((إنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومَن أمَر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع، لا بد أن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ، كان بتقدير إقدامه على الخطأ، يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ. والخطأ لكونه خطأ منهيٌ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد، بالاعتبار الواحد، وإنه محال.
فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كُلّ من أمَر الله بطاعته على سبيل الجزم، وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ. فثبت قطعاً أنّ أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بدّ وأن يكون معصوماً)) [تفسير الرازي، ج10، ص144].
ومما تقدم يتضح: أن المهدي المنتظر (عليه السلام)، هو الإمام الثاني عشر، وهو حيٌّ يُرزق لكنّه غائب مستور عن الخلق لحكمة إلهية اقتضت ذلك، وقد تسالم علماء الإسلام على أنه المنتظر.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
