مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

المهدي الموعود أمره ثابتٌ وخُروجه حقٌّ

السائل حر المعتقد. النشر القراءة 6 دقيقة المشاهدات 370 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

القرآن ذكر كل شيء، ولم يذكر مهديكم الذي تنتظرونه، وما لم يرد ذكره بالنص الصريح في كتاب الله لا يمكن الاعتقاد به، فعلى أي أساس يحكم بكفر من لم يعتقد لم ولن يكن موجود إلا في مخيلة الرافضة؟!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

أولاً: ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: ((يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي))، صححه الألباني. [صحيح الترمذي، للألباني، ج3، ص226]، وثبت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ((المهدي من عترتي من أولاد فاطمة)) [سنن أبي داود، ج4، ص107]، وصححه الألباني، وقال ابن القيم في "المنار المنيف" في بيان من هو المهدي المنتظر: ((إنه رجلٌ من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ولد الحسين بن علي - رضي الله عنهما - يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلاً، وأكثر الأحاديث على هذا تدل)) [المنار المنيف، ص148].

وإذا ثبت ذلك، وجب على كلّ الأُمّة الأخذ بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لقوله تعالى: ﵟواتّبعوه لعلّكم تهتدونﵞ [الأعراف:158]؛ ولقوله: ﵟفليحذر الّذين يخالفون عن أمرهﵞ [النّور:63]؛ ولقوله: ﵟقل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم اللهﵞ [آل عمران:31]؛ ولقوله سبحانه: ﵟلقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنةﵞ [الأحزاب:21].

ثانياً: انّ العلاقة بين السنة الشريفة، وبين كتاب الله عزّ وجلّ علاقة توافق، وتكامل، لأن مصدرهما واحد، وهو الله تبارك وتعالى، ولهذا فإنّ عدم الإقرار والتسليم بما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو رد وإعراض عن أمر الله عزّ وجلّ، قال أحمد بن حنبل: ((إذا لم نقر بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رددنا على الله أمره، قال الله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا})) [الإبانة الكبرى، ج7، ص58].

ثالثاً: انّ ذكْر الأشياء والتصريح بأسمائها في القرآن الكريم لا يدلُّ على أنها أهم مما لم يرِد لها ذكرٌ إلا في السنّة النبوية، ولم يقُل بذلك أحدٌ من علماء الأمة، بل لم يرِد دليلٌ على ذلك، ولو كان لبان، والواقع يُثبت خلاف ذلك، فقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من الأمور على نحوٍ من التفصيل، كأحوال الخلق وقصص الماضين، وغيرها من أمورٍ كثيرة، ولا يشك مسلمٌ في فضلها وأهميتها، ولكنّ ما ثبت في السنّة النبوية من تفصيل لكيفيّة الصلاة وعدد ركعاتها، وصفة الحج والسعي وعدد أشواط الطواف، ومقادير الزكاة وشروطها وغير ذلك مما هو أعظم شأنًا في الشريعة الإسلامية، فقد روى الخطيب البغدادي في "الكفاية"، عن الحسن: ((أن عمران بن حصين، كان جالسًا، ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدّثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدنه، فدنا، فقال: أ رأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أ كنت تجد فيه صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، تقرأ في اثنتين، أ رأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أ كنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة، ثم قال: أي قوم؛ خذوا عنا؛ فإنكم والله إلا تفعلوا لتضلن)) [الكفاية في علم الرواية، ص15].

ولا يختلف اثنان ببداهة أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، فهي أول ما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة، فقد روت مصادر المسلمين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((أول ما يُحاسَب به العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ، فإنْ صلحتْ، صلح سائرُ عمله، وإن فسَدَتْ، فَسَدَ سائِرُ عمله)) [رواه الطبراني في "الأوسط"، ج2، ص240، وصححه الشيخ الألباني في "الصحيحة"، برقم: 1358].

وأن الصلاة هي الفارق بين المسلم والكافر؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر؛ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((بيْن الرجلِ وبيْن الشِّرْكِ والكفرِ تَرْكُ الصلاةِ)) [صحيح مسلم، ج1، ص88، برقم:82].

وفي سنن ابن ماجة كان مِن آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكتْ أيمانُكم)) [سُنن ابن ماجه، ج2، ص900، برقم:2697].

وهنا نوجه لك السؤال الآتي:

إذا كانت الصلاة هي أول سؤال يسأل عنه العبد يوم القيامة، وهي الفارق بين المسلم والمشرك، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي في لحظاته الأخيرة بالصلاة، فإذا كان الأمر بهذه الأهمية والخطورة، فلماذا لم ترد أحكامها وكيفية أدائها وعدد ركعاتها في القرآن الكريم، وبآية صريحة؟!

فإن قلت: إن السنة هي من تكفلت ببيان أحكامها وكيفية أدائها وعدد ركعاتها.

قلنا: بنفس الطريق الذي كشف لنا ولكم أحكام الصلاة وتفاصيلها من عدد الركعات وغيرها من أحكام، كشف لنا – أيضاً - بالنص الصريح الصحيح وجود المهدي المنتظر (عليه السلام) وأنه من عترته ومن ولد بضعته فاطمة الزهراء (عليها السلام).

جاء عن ابن تيمية في كتابه "منهاج السنّة النبوية": ((إنّ الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم)) [منهاج السنّة النبوية، ج8، ص254].

وجاء عن ابن قيم الجوزية في كتابه "اغاثة اللهفان": ((والأمم الثلاث تنتظر منتظرا يخرج في آخر الزمان، فإنهم وعدوا به في كلّ ملّة، والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود، وعبّاده من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا)) [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ج2، ص338].

وقال ابن حجر في "فتح الباري": ((تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه)) [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج6، ص494].

وصرّح الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، بأنّ منكر عقيدة المهدي وخروجه التي تواتر ذكرها في الأحاديث الصحيحة هو كمن أنكر ألوهية الله عزّ وجل. [سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج4، ص43، ح1529].

ونقل عبد المحسن العبّاد قول الشيخ ابن باز: ((أمرُ المهديّ معلوم والأحاديث فيه مُستفيضة، بل مُتواترة مُتعاضدة، وقد حكى غيرُ واحد مِن أهل العلم تواترها، وتواترُها تواترٌ معنويّ، لكثرة طُرقها، واختِلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحقٍّ تدلُّ على أنّ هذا الشّخص الموعود به أمره ثابتٌ وخُروجه حقٌّ...)) [مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الرّدّ على مَن كذّب بالأحاديث الصّحيحة الواردة في الْمَهديِّ، عبد المحسن العبّاد، العدد 45، ص299].

ويقول المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: ((اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر العصور أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى عليه السلام ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل من بعده فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته)) [تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، المباركفوري، ج6، ص401].

وختاماً نورد بعض الآيات التي صرّح المفسرون من علماء أهل السُّنة ارتباطها المهدي المنتظر (عليه السلام):

الآية الأولى: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]

قال القرطبي في تفسيره، والرازي في التفسير الكبير: ((قال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام)) [تفسير القرطبي، ج8، ص121؛ تفسير الرازي، ج16، ص40]، أي أن الله سبحانه وتعالى يظهر الإسلام على الدين كله في عهد المهدي (عليه السلام).

الآية الثانية: قوله تعالى: ﵟوَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍﵞ [سبأ:51].

أخرج الطبري عن حذيفة بن اليمان، أن المعنى في هذه الآية مُنصّب على الجيش الذي سيُخسَف به، وقد تواترت الأحاديث بأن جيشاً سيرسل للقضاء على المهدي، وأنه سيُخسَف بهذا الجيش، وهذا الخسف لم يحصل للآن، وحدوثه مرتهن بظهور المهدي. [راجع تفسير الطبري ج2، ص72، وعقد الدرر، ص84، والحادي للفتاوي، للسيوطي، ج2 ص81، والكشاف، للزمخشري، ج3، ص467-468].

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة