مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

لماذا وصف القرآن الدنيا بأنها لعب ولهو؟

السائل طالب المياحي النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 65 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

أنا أقرأ في القرآن أنّ الحياة الدنيا (لعب ولهو)، مع أنّي أرى نفسي أعمل وأسعى ‏وأجتهد، وأرى كثيرا من الناس يعيشون جدّاً لا هزلاً. فكيف تكون الدنيا لعباً ولهواً مع كل هذا ‏السعي والجهد؟ وهل يعني ذلك أنّ كل ما نقوم به في هذه الحياة بلا قيمة؟ أريد أن أفهم معنى ‏هذه الآية فهماً واضحاً.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين، مصابيحِ الظلام، ‏وهداةِ الأنام.‏

إنّ وصفَ القرآن الكريم للحياة الدنيا بأنها: ﵟلَعِبٌ وَلَهْوٌﵞ[الأنعام:32]، ليس نفيًا لواقع العمل ‏فيها، ولا لجدّ الإنسان في معاشه، ولا لبذله الوسع في النجاح، بل هو كشفٌ عن حقيقة موقع ‏الدنيا في نظام الهداية الإلهية.

فالقرآن الكريم لا ينظر إلى الدنيا بما هي أفعالٌ متحرّكة وظواهر قائمة فحسب، بل ينظر إليها ‏بوصفها مرحلةً من مراحل مسيرة الإنسان، فتتقوّم بغايتها لا بصورتها الظاهرة.‏

فالدنيا ــ بحسب توصيف القرآن الكريم ــ دنيا من جهتين:‏

أولًا: لأنّ الحقائق فيها محجوبة، والرؤية فيها رؤيةٌ ناقصة، وهي أشبه بمن ينظر إلى الشيء ‏عبر ستارٍ يحجب عنه كمال الصورة.. ولهذا قال سبحانه في وصف الآخرة: ﵟفَكَشَفْنَا عَنْكَ ‏غِطَاءَكَﵞ [ق: 22]. ‏

فالآخرة ليست حياةً أخرى فحسب، بل هي انكشاف الحقيقة، ولهذا قال سبحانه: ﵟوَإِنَّ الدَّارَ ‏الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُﵞ [العنكبوت:64]، أي الحياة الكاملة التي تتجلّى فيها الوقائع على ما هي ‏عليه بلا حجاب.‏

ثانيًا: لأنّ الدنيا ــ بما أودع الله سبحانه فيها ــ مخلوقة لتكون طريقًا إلى تلك الدار، لا دارًا ‏مستقلة.. فكل ما يجري فيها من حركةٍ وبناءٍ ونموٍّ هو في منطق العقل حركةٌ تمهيدية، لا قيمة ‏لها إلّا بمقدار ما تفتح للإنسان من باب الوصول إلى الآخرة، وتحقيق الغاية التي خُلق لأجلها.‏

ومن هنا يتّضح معنى (اللعب) الوارد في الآية، فاللعب ليس عنوانًا للضحك والسخرية فحسب، ‏بل هو كلّ عملٍ يُبذَل فيه جهدٌ لا ينتج ثمرةً معتبرة، والإنسان حين يخرج بالدنيا عن غايتها، ‏ويجعلها نهايةَ المطاف، فإنّ جدَّه يتحوّل إلى لعب؛ لأنّ النتيجة منقطعة وزائلة، لا تورث الروح ‏بقاءً ولا ترتقي بها إلى ما خُلقت له، فكما أنّ الطفل قد يشغل نفسه ساعات في ترتيب حجارةٍ أو ‏تشكيل ترابٍ يراه مهمًّا في نظره، ولا يرى العقلاء فيه إلا حركةً فارغة؛ كذلك من يجعل الدنيا ‏غايته، ويبني فيها بنيانًا لا صلة له بالآخرة، فإنّ صنيعه هذا لعب، وإن ظهر في صورٍ ‏منضبطة ومنظَّمة.‏

وهذا هو الذي أشار إليه سبحانه في قوله: ﵟأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًاﵞ [المؤمنون:115].. ‏فالعبث هنا ليس تركًا للنظام، بل تركًا للغرض، وإذا انتفى الغرض الأساس من حساب الإنسان، ‏أصبح جهدُه كلُّه عبثًا، وإن امتلأت حياته بالمشاريع، فليس معيار العبث في كثرة الحركة أو ‏قلّتها، بل في صلتها بغرض الخلقة.‏

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ وصف الدنيا بــ (اللعب واللهو) لا ينفي أنّها موضع ابتلاء، بل هي ميدان ‏التكليف، وفيها تُختبر الإرادة الإنسانية، ويتمايز من يريد الآخرة ممّن يركن إلى العاجلة.. فهي ‏في ظاهرها حركة، وفي باطنها امتحان، وحيث إنّ الامتحان لا قيمة له إلّا إذا كان مؤدّيًا إلى ‏النتيجة الكبرى، كان قطع صلة العمل الدنيوي بالآخرة بمنزلة إلغاء الامتحان، وإلغاء الغاية، ‏وجعل السعي في هذه الدار بمنزلة اللعب الذي لا يورّث ثمرةً ثابتة.‏

وعليه، فالدنيا ليست لعبًا إذا اتُّخذت جسْرًا أو ممرًا للآخرة، بل هي موطنُ الجدّ الأكبر، لأنّ فيها ‏تُكتسب المقامات الأخروية.. ولكنّها لعبٌ ولهوٌ إذا نُظر إليها منفصلةً عن تلك الغاية؛ لأنّ العمل ‏حينئذٍ يتحوّل إلى حركةٍ لا ثمرة لها، كمن يبني بناءً على غير أساس، فلا يورثه تعبُه إلا صورةَ ‏عملٍ خاليةً من الحقيقة.‏

إنّ الإنسان العاقل لا ينظر إلى حياته من خلال ما يمرّ به يوميًّا من أحداثٍ وأعمال، بل من ‏خلال ما تقوده إليه هذه الأعمال من مصيرٍ بعد انقضاء الدنيا، ولهذا قال سبحانه:ﵟوَمَا هَذِهِ ‏الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَﵞ [العنكبوت: 64]، أي ‏إنّ الدنيا، إذا نُظِر إليها في مقابل الآخرة أو في ضوء الغاية التي خُلقت لها، تظهر على حقيقتها ‏بأنها مرحلةٌ عابرةٌ لا تُقاس قيمتها إلا بما تفتح للإنسان من طريقٍ إلى دار القرار، وهذا هو ‏أساس نظرة القرآن الكريم، وهو أيضًا ما تبتني عليه كلمة أمير المؤمنين (عليه السلام): ((الدنيا ‏دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرٍّ)) [نهج البلاغة، ص493].‏

فهي ممرٌّ لمن عرف وجهها، ومقرٌّ لمن غفل عن غايتها، ومن جعلها مقرًّا انقلبت أعماله فيها ‏لعبًا، وإن بدا في ظاهر سعيه أنّه جدّ واجتهاد.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجبين.‏

مسائل ذات صلة