
أنا أقرأ في القرآن أنّ الحياة الدنيا (لعب ولهو)، مع أنّي أرى نفسي أعمل وأسعى وأجتهد، وأرى كثيرا من الناس يعيشون جدّاً لا هزلاً. فكيف تكون الدنيا لعباً ولهواً مع كل هذا السعي والجهد؟ وهل يعني ذلك أنّ كل ما نقوم به في هذه الحياة بلا قيمة؟ أريد أن أفهم معنى هذه الآية فهماً واضحاً.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين، مصابيحِ الظلام، وهداةِ الأنام.
إنّ وصفَ القرآن الكريم للحياة الدنيا بأنها: ﵟلَعِبٌ وَلَهْوٌﵞ[الأنعام:32]، ليس نفيًا لواقع العمل فيها، ولا لجدّ الإنسان في معاشه، ولا لبذله الوسع في النجاح، بل هو كشفٌ عن حقيقة موقع الدنيا في نظام الهداية الإلهية.
فالقرآن الكريم لا ينظر إلى الدنيا بما هي أفعالٌ متحرّكة وظواهر قائمة فحسب، بل ينظر إليها بوصفها مرحلةً من مراحل مسيرة الإنسان، فتتقوّم بغايتها لا بصورتها الظاهرة.
فالدنيا ــ بحسب توصيف القرآن الكريم ــ دنيا من جهتين:
أولًا: لأنّ الحقائق فيها محجوبة، والرؤية فيها رؤيةٌ ناقصة، وهي أشبه بمن ينظر إلى الشيء عبر ستارٍ يحجب عنه كمال الصورة.. ولهذا قال سبحانه في وصف الآخرة: ﵟفَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَﵞ [ق: 22].
فالآخرة ليست حياةً أخرى فحسب، بل هي انكشاف الحقيقة، ولهذا قال سبحانه: ﵟوَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُﵞ [العنكبوت:64]، أي الحياة الكاملة التي تتجلّى فيها الوقائع على ما هي عليه بلا حجاب.
ثانيًا: لأنّ الدنيا ــ بما أودع الله سبحانه فيها ــ مخلوقة لتكون طريقًا إلى تلك الدار، لا دارًا مستقلة.. فكل ما يجري فيها من حركةٍ وبناءٍ ونموٍّ هو في منطق العقل حركةٌ تمهيدية، لا قيمة لها إلّا بمقدار ما تفتح للإنسان من باب الوصول إلى الآخرة، وتحقيق الغاية التي خُلق لأجلها.
ومن هنا يتّضح معنى (اللعب) الوارد في الآية، فاللعب ليس عنوانًا للضحك والسخرية فحسب، بل هو كلّ عملٍ يُبذَل فيه جهدٌ لا ينتج ثمرةً معتبرة، والإنسان حين يخرج بالدنيا عن غايتها، ويجعلها نهايةَ المطاف، فإنّ جدَّه يتحوّل إلى لعب؛ لأنّ النتيجة منقطعة وزائلة، لا تورث الروح بقاءً ولا ترتقي بها إلى ما خُلقت له، فكما أنّ الطفل قد يشغل نفسه ساعات في ترتيب حجارةٍ أو تشكيل ترابٍ يراه مهمًّا في نظره، ولا يرى العقلاء فيه إلا حركةً فارغة؛ كذلك من يجعل الدنيا غايته، ويبني فيها بنيانًا لا صلة له بالآخرة، فإنّ صنيعه هذا لعب، وإن ظهر في صورٍ منضبطة ومنظَّمة.
وهذا هو الذي أشار إليه سبحانه في قوله: ﵟأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًاﵞ [المؤمنون:115].. فالعبث هنا ليس تركًا للنظام، بل تركًا للغرض، وإذا انتفى الغرض الأساس من حساب الإنسان، أصبح جهدُه كلُّه عبثًا، وإن امتلأت حياته بالمشاريع، فليس معيار العبث في كثرة الحركة أو قلّتها، بل في صلتها بغرض الخلقة.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ وصف الدنيا بــ (اللعب واللهو) لا ينفي أنّها موضع ابتلاء، بل هي ميدان التكليف، وفيها تُختبر الإرادة الإنسانية، ويتمايز من يريد الآخرة ممّن يركن إلى العاجلة.. فهي في ظاهرها حركة، وفي باطنها امتحان، وحيث إنّ الامتحان لا قيمة له إلّا إذا كان مؤدّيًا إلى النتيجة الكبرى، كان قطع صلة العمل الدنيوي بالآخرة بمنزلة إلغاء الامتحان، وإلغاء الغاية، وجعل السعي في هذه الدار بمنزلة اللعب الذي لا يورّث ثمرةً ثابتة.
وعليه، فالدنيا ليست لعبًا إذا اتُّخذت جسْرًا أو ممرًا للآخرة، بل هي موطنُ الجدّ الأكبر، لأنّ فيها تُكتسب المقامات الأخروية.. ولكنّها لعبٌ ولهوٌ إذا نُظر إليها منفصلةً عن تلك الغاية؛ لأنّ العمل حينئذٍ يتحوّل إلى حركةٍ لا ثمرة لها، كمن يبني بناءً على غير أساس، فلا يورثه تعبُه إلا صورةَ عملٍ خاليةً من الحقيقة.
إنّ الإنسان العاقل لا ينظر إلى حياته من خلال ما يمرّ به يوميًّا من أحداثٍ وأعمال، بل من خلال ما تقوده إليه هذه الأعمال من مصيرٍ بعد انقضاء الدنيا، ولهذا قال سبحانه:ﵟوَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَﵞ [العنكبوت: 64]، أي إنّ الدنيا، إذا نُظِر إليها في مقابل الآخرة أو في ضوء الغاية التي خُلقت لها، تظهر على حقيقتها بأنها مرحلةٌ عابرةٌ لا تُقاس قيمتها إلا بما تفتح للإنسان من طريقٍ إلى دار القرار، وهذا هو أساس نظرة القرآن الكريم، وهو أيضًا ما تبتني عليه كلمة أمير المؤمنين (عليه السلام): ((الدنيا دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرٍّ)) [نهج البلاغة، ص493].
فهي ممرٌّ لمن عرف وجهها، ومقرٌّ لمن غفل عن غايتها، ومن جعلها مقرًّا انقلبت أعماله فيها لعبًا، وإن بدا في ظاهر سعيه أنّه جدّ واجتهاد.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
