مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

لماذا قال الله {لَا رَيْبَ فِيهِ} مع أنّ الناس ارتابوا؟

السائل احمد النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 137 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

لماذا ذكر الاِله في كتابه: (لا ريب فيه) رغم أنّ جميع أمم أنبيائه ورسله مقسمّة ودخلها الريب ‏من كلّ مكان؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ قوله تعالى: ﵟذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِﵞ ليس بصدد حكاية حال الناس وما يقع في نفوسهم من الشكوك، وإنّما هو في مقام بيان حقيقة الكتاب في نفسه.

فالمراد أنّ القرآن بما هو وحيٌ منزل من الله سبحانه منزّه عن الريب، ثابت على وجه اليقين، لا يتطرّق إليه احتمال الباطل ولا شبهة الخطأ، فهو في مقام الثبوت حقٌّ محض، كما أنّ الشمس في ذاتها نور لا يداخله ظلام.

وأمّا ما قد يقع في بعض النفوس من الريب فهو في مقام الإثبات، ناتج عن قصور الإدراك أو غلبة العناد، فيكون الشك طارئًا على القلوب لا على حقيقة القرآن.

فالفارق بين المقامين أنّ الريب في الواقع منفيٌّ بالكلّية، وأمّا في وجدان بعض الناس فقد يظهر، لكنه لا يغيّر من كون القرآن في ذاته يقينًا لا شكّ فيه.

وجاء في تفسير الأمثل: ((وقوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} ليس ادعاءً، بل تقرير لحقيقة قرآنية مشهودة، هي إنّ القرآن يشهد بذاته على حقّانيته)) [الأمثل في تفسير، للشيخ ناصر مكارم، ج١، ص٧١].

كما جاء في تفسير كنز الدقائق للمشهدي: ((وإنما نفى الريب مع كثرة المرتابين، لأنّ الريب مع وضوح مزيجه كلا ريب. ويحتمل أن يكون المراد أن القرآن ليس مظنّة للريب، بمعنى أن العاقل إذا رجع إلى عقله وترك العناد، ظهرت حقيقته وصدقه عليه غاية الظهور، ولم يبق معه شكّ وريب أصلًا)) [تفسير كنز الدقائق، للمشهدي، ج١، ص١٦٥].

ولتقريب الفرق بمثال، نقول: كما أنّ الشمس في مقام الثبوت نورٌ محض لا شبهة فيه، فكذلك القرآن في ذاته يقينٌ لا ريب فيه. وأمّا في مقام الإثبات فقد يشبه حال من يسمع كلامًا بليغًا واضحًا في دلالته، لكنّه لا يلتفت إلى معانيه أو يتعمّد تحريفه، فيرتاب في مدلوله مع أنّ البيان في نفسه لا يحتمل الريب.

والذي يُستفاد من الجواب على نحوٍ جامع، أنّ المراد من قوله تعالى: ﵟذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِﵞ هو نفيُ الريب عن القرآن في نفسه، لا الإخبار عن خلوِّ الناس من الريب في مقام التلقّي. فالكتاب من حيث هو وحيٌ إلهي، قائم في مقام الثبوت على وجهٍ لا يتطرّق إليه باطل، كما أنّ النور في ذاته لا يشوبه ظلام.

وأمّا ما يظهر من شكوكٍ عند بعض الناس، فهو من شؤون مقام الإثبات، عائدٌ إلى قصور النظر أو غلبة العناد، لا إلى حقيقة القرآن.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة