
لماذا لم يختمِ الله تعالى حياة أنبيائه وأوليائه بالسَّكينة والراحة، وهو القادر على كلّ شيءٍ، والمفروضُ أنّهم عبادُه المصطفَون؟ فلِمَ انتهتْ حياتهم بين قتيلٍ بالسيف، أو مسمومٍ، أو مسجونٍ، أو مذبوحٍ على الرمضاء؟!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدُ لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ منشأ هذا السؤال تصوّرٌ باطلٌ، مبنيٌّ على توهُّم أنّ حسن الخاتمة لا يتحقّق إلا بالموت المريحِ في ظاهر الحال، وأنّ الموت بالقتل الموجِع، والمحنة الجسيمة مخلٌّ في حقّ الإمام المعصوم، أو دالٌّ على عدم عناية الله به، وهذا باطلٌ من وجوهٍ متعدّدةٍ:
أوّلها: أنّ حسن العاقبة لا يُقاس بظواهر الأمور، بل بما يكون فيه تمامُ الحُجّة، وكمال الوظيفة، وتثبيت الدين، ولو كان ذلك مقرونًا بالألم. فالموتُ بالقتل إنْ كان في سبيل الله، وكان من مظاهر إقامة الحقّ، فهو في عينه شهادةٌ، والشهادة كمالٌ، لا نقصانٌ.
وثانيها: أنّ المِلاك في موت أولياء الله ليس هو الراحة في الجسد، بل إنّ الله عزّ وجلّ يُجري فيهم أحكامًا مخصوصةً، تقتضيها مقاماتُهم ووظائفهم، ومنها أنْ يكون موتُهم سببًا لبيان الحقّ، وفضحِ الباطل، وإحياءِ الدين، ورفعِ الالتباس عن الأمّة، وهذا لا يحصل إلّا حين يُعامَلون بما لا يُعامَل به غيرُهم.
وثالثها: أنّ لله تبارك وتعالى سُننًا جاريةً في الخلق، تشهد بها العقول، وتؤيِّدها المشاهَدة، ومنها: أنّ كثيرًا من الكنوز المودَعة في الطبيعة لا تظهر إلّا حين الانفجار والانكشاف، فباطنُ الأرض مثلًا، لا يُظفَر بما فيه من المعادن الثمينة والعناصر النادرة، إلّا حين تُخرِج الأرض ما فيها، وتتمزّق قشرتُها، وتثور براكينُها، وتحترق ظاهرًا لتُظهِر الباطن.
وهذا المثال جارٍ على وجه الشَّبه، فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم كنوز الهدى، ومعدن العلم، ومظهر الرحمة، لكنّهم كانوا في أمّةٍ أُغلقتْ فيها أبواب المعرفة، واختلطَ فيها الحقّ بالباطل، والتبستِ الوجوه، وتنازعتِ الدعواتُ، ولم يكن وجه الفرق ظاهرًا عند أكثر الناس، ولا سبيلَ إلى التمييز بينهم وبين أدعياء الخِلافة، ما دامتِ الأحوالُ ساكنةً، والوقائع مستترة.
فلو مات الإمامُ الحسين (عليه السلام) على الفراش كما مات خصمُه، لالتبس الأمرُ على الناس، ولقال القائلُ: هذا إمامٌ، وذاك إمامٌ، ولا حجّة ظاهرة في أحدهما على الآخر. لكنّ الله سبحانه شاء أنْ يُظهِر الحقَّ في صورةٍ لا تقبل اللبسَ، ولا تترك للباطل أنْ يُدلي بدعواه، فكان مقتلُ الإمام الحسين (عليه السلام) بتلك الصورة العظيمة والمأساة الجسيمة، شهادةً ناطقةً، وسبيلًا جليًّا، وحجّةً دافعةً لكلّ تأويل.
إنّ دمه الطاهرَ هو الذي فضح يزيد (لعنه الله)، وإنّ صبرَه هو الذي أزهق باطلَه، وأعاد للإسلام صورته الأولى، نقيةً من شوائب السلطان.
فالقتلُ الذي نزلَ بأولياء الله (عليهم السلام)، - أنبياء وأوصياء - وإنْ عُدَّ في ظاهر الأمر شدّةً ومحنةً، فهو في منظور الحكمة من شُعَب التمحيص، ومظاهر الاختصاصِ، ومواقع إقامة الحُجّة، ولا يكون نقصًا في حقّهم، بل هو مظهرُ عنايةٍ، ووجهُ اصطفاءٍ، كما وقع في كربلاء، حيث اقترن البلاءُ ببيان الحقّ وخلود الذِّكر.
وقد ثبت بالعقل والنقل أنّ الله تعالى لا يختار لوليِّه إلّا ما يكون أبلغ في الحُجّة، وأتمَّ في كشف الحقّ، وإنْ خفي وجهُ ذلك على الناس، فإنّ خفاء الحكمة لا ينفي وجودَها.
أمّا الدليل العقليُّ فبأنّ الله تعالى حكيمٌ لا يختارُ لعبده المقرَّب ما فيه النقص أو العبث، والاختيارُ الحكيم يقتضي أنْ يكون ما يجري عليه على أكمل وجهٍ في الغاية، ولو كان مقرونًا بالبلاء؛ لأنّ إظهار الحقّ وفضح الباطل ـ حيث تتوقّف عليه غايةُ الخَلق ـ أرجحُ من حفظ البدن بالراحة.
وأمّا الدليل النقليُّ، فقوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]، فهذه الآية صريحةٌ في أنّ الابتلاء سنةٌ جاريةٌ على أهل الإيمان، لا لذنبٍ، بل لحكمةِ الامتحان، وإظهارِ المراتب. وكذلك قوله تعالى في مقام التنديد بالكافرين: ﵟإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِﵞ [آل عمران:21]. فالجمع بين الكفر بآيات الله، وقتْل الأنبياء والآمرين بالقسط يدلّ على أنّ القتل لم يكن عارضًا في سيرة الأنبياء، بل كان من مقتضيات مقامِهم، لما في دعوتهم من كشفٍ للحقّ وإزهاقٍ للباطل، ممّا يثير سخط الطغاة.
وقد دلّتِ الرواياتُ المتواترة على أنّ أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، فقد روى الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: ((إنّ في كتاب عليٍّ (عليه السلام) أنّ أشد الناس بلاء النبيّون، ثم الوصيّون، ثم الأمثل فالأمثل، وإنما يُبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسَنة، فمن صحَّ دينه، وحسُن عملُه اشتدّ بلاؤه، وذلك أنّ الله عزَّ وجل لم يجعلِ الدنيا ثوابًا لمؤمنٍ ولا عقوبةً لكافر، ومَن سخُف دينُه، وضعُف عمله قلَّ بلاؤه، وإنّ البلاء أسرعُ إلى المؤمن التقيِّ من المطر إلى قرار الأرض)) [الكافي، ج٢، ص٢٥٩]. فدلّت هذه الرواية على أنّ البلاء عناية، لا إهانة، واصطفاء، لا إعراض.
وعليه، فإنّ ما جرى على أئمّة الهدى (عليهم السلام) من مصارعَ موجعةٍ، هو في الحقيقة بابٌ من أبواب الرحمة، وطريقٌ إلى إحياء الحقّ، ووسيلةٌ لتمايُز أهل الهداية عن أهل الغواية، ولولا تلك المصارع، لما انكشفتْ حقيقةُ يزيد، ولا تمايَز طريقُ أهل البيت (عليهم السلام) من سائر الطرق المنحرفةِ، ولا بقِي صوت الإمام الحسين (عليه السلام) خالدًا في ضمير الأمّة.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
