
يقول زين العابدين احد أئمتكم: أتنوحون وتبكون من أجلنا؟ فمن الذي قتلنا؟ ويقول محسن الأمين احد علمائكم: بايع الحسين عشرون ألفا من أهل العراق، غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم وقتلوه، والصريح بأن هؤلاء شيعة الحسين هم الذين قتلوا الحسين!!
الجواب
الأخ نايف، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
هذه الشبهة مازال البعض يرددها للأسف إمّا عن جهل منه أو لغرض في نفسه يريد من خلالها خلط الأوراق على الناس .. وواقع القضية : أنّ الذين خرجوا لقتال ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هم جماعة من النواصب كما يشهد بذلك ابن تيمية في أكثر من موضع من كتابه " منهاج السنّة " ، قال في الجزء الرابع ، صفحة 368 وهو يقارن بين الرافضة وقتلة الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " ولهم في المكابرات وجحد المعلومات بالضرورة أعظم ممّا لأولئك النواصب الذين قتلوا الحسين " انتهى ، فهذا التفصيل بين الطرفين - والتفصيل قاطع للشركة كما يقول العلماء - يدلّ دلالة واضحة بأنّ قتلة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ليسوا من الشيعة بل هم جماعة من النواصب .
وقال في الصفحة التي قبلها وهو في مقام المقارنة أيضا بين الرافضة والنواصب الذين خرجوا لقتال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : " وهم ينكرون على بعض النواصب أنّ الحسين قال لهم : أما تعلمون أني ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : والله ما نعلم ذلك . وهذا لا يقوله ولا يجحد نسب الحسين إلا متعمد للكذب والافتراء ... والرافضة أعظم جحداً للحقّ تعمداً وأعمى من هؤلاء " انتهى
فهذه كلمات ابن تيمية صريحة جدّاً بأنّ الذين خرجوا لحرب الحسين ( عليه السلام ) والذين قتلوه هم من النواصب ؛ وإلا إذا كان قتلته هم شيعته أنفسهم لا تصحّ المقارنة التي يطرحها ابن تيمية هنا بين النواصب والشيعة ( الرافضة حسب تعبيره ) ؛ لأنَّ التفصيل قاطع للشركة كما يقول أهل العلم .
والذي يكشف على أنّ قتلة الإمام الحسين ( عليه السلام ) هم من النواصب خطاب الإمام الحسين نفسه لهم ولا يوجد أحد أعرف منه بهوية قاتليه ، فهو قد خاطبهم بقوله : ( ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم ) [ الفتوح لابن أعثم الكوفي 5: 117، مقتل الحسين للخوارزمي 2 :38]
فالذي قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) هو يزيد وأتباعه في الكوفة ، وفي هذا الجانب يروي السيوطي في تاريخه : " وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبيانا فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتله " [ تاريخ الخلفاء : 226] .. فهذا نصّ صريح بأنّ الآمر بقتل الحسين ( عليه السلام ) هو يزيد بن معاوية ( عليه لعائن الله ) .
وحسب نصّ ابن أعثم: أنّ ابن زياد قال لأهل الكوفة: " كتب إليَّ يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، وماءتي ألف درهم أفرقها عليكم، وأخرجكم لحرب عدوّه الحسين بن علي، فاسمعوا له وأطيعوا والسلام .
قال : ثم نزل عن المنبر ووضع لأهل الشام العطاء فأعطاهم ونادى فيهم بالخروج إلى عمر بن سعد ليكونوا أعوانا له على قتال الحسين . قال : فأول من خرج إلى عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن السلولي - لعنه الله - في أربعة آلاف فارس ، فصار عمر بن سعد في تسعة آلاف ، ثم أتبعه زيد بن ركاب الكلبي في ألفين ، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف ، والمصاب الماري في ثلاثة آلاف ونصر بن حربة في ألفين فتم له عشرون ألفا " [ الفتوح 5: 89]
وفي نصّ لابن الأثير جاء فيه : أنّ ابن زياد قال لمسافر بن شريح اليشكري : " أمّا قتلي الحسين فإنّه أشار علىّ يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله " [ الكامل في التاريخ 4: 140]
قد يقول البعض : إنّ الكوفة - وهي المدينة التي خرج منها الجيش لحرب الحسين عليه السلام - هي مدينة شيعية وتسكنها أغلبية شيعية ؟
الجواب : هذا الكلام ليس صحيحاً تاريخياً ، فالكوفة قبل قدوم أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) إليها كانت عمرية الهوى تتابع مدرسة الخلفاء بشكل كبير ، والدليل على ذلك أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لما أراد أن يمنع أهلها من صلاة التراويح لأنّها ليست مشروعة بل هي من تشريع عمر ،امتنع الناس عن ذلك وتصايحوا في مسجد الكوفة وقالوا : واعمراه ، واسنّة عمراه ، فتركهم على ماكانوا عليه خشية الفتنة ، وهذا يكشف على أنّ المتمسكين بسنّة عمر والسائرين على منهج الخلفاء جماعة ليست بالقليلة والتصدي لهم كلّهم يقلب الأمور على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فتركهم على ماكانوا عليه حتّى يعالج الأمور بهدوء ورويّة [ انظر هذه الحادثة في : شرح نهج البلاغة للمعتزلي 12: 283، وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي 3: 70]
نعم ، استطاع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في مدّة حكمه القليلة - وهي أربع سنوات وأشهراً - أن يوجد له شيعة موالين في الكوفة ، ولكن هؤلاء لم يكونوا ليشكلوا شيئاً يذكر أمام أتباع مدرسة الخلفاء في هذه المدينة العمرية الهوى آنذاك ، وهم بعد مقتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعودة البيت العلوي - المتمثل بالحسن والحسين عليهما السلام - إلى المدينة تتبعهم معاوية تحت كل ّ حجر ومدر ، وكلّف زياد بن أبيه بمطاردتهم واستئصال وجودهم وقتلهم ، فجرت عليهم محاولات إبادة كبيرة شرّدت بعضهم وقتلت البعض الآخر وسجنت البقية .
يروي الطبراني في " المعجم الكبير " ج 3 ص 68 ، بإسناد صحيح عن يونس بن عبيد عن الحسن قال كان زياد يتتبع شيعة علي رضي الله عنه فيقتلهم فبلغ ذلك الحسن بن علي رضي الله عنه فقال اللهم تفرّد بموته فإنّ القتل كفارة [ وانظر : مجمع الزوائد للهيثمي 6: 295]
وجاء في "تاريخ الشعوب الإسلامية" ل كارل بروكلمان ، ص 123: " حتّى إذا توفي المغيرة سنة 670 م ، صار زياد أميرا على البصرة والكوفة جميعا ، وكان من تقاعس سلفه وضعفه أن أقدم أتباع علي على ثورة مسلحة جاءت فرصة سانحة لزيادة تصفية الحساب مع العلويين مرّة وإلى الأبد ، وبعد أن أخمد زياد هذه الثورة دونما جهد كبير ، حلّ منظمات المقاتلين القبلية السابقة وأعاد تنظيمهم في جماعات أربع على رأس كلّ منها رجل من الموالين للبيت الأموي ، ثم أنّه أنزل الكوفيين - وكانوا أعظم الثوار تشيعا - وأسرهم ، وعددا كبيرا من البدو يبلغون الخمسين ألفا ، في خراسان ، المقاطعة الفارسية الشرقية " . انتهى
نعم من بقي من شيعة أهل البيت في الكوفة - وهم قلّة قليلة جدّا - خرجوا مع إمامهم ( عليه السلام ) وقتلوا معه جميعهم ، كما يروي ذلك ابن كثير في البداية والنهاية ، قال في الجزء 8 ، ص 208 : " قال هشام : فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي ، عن أبيه ، عن الغاز بن ربيعة الجرشي من حمير . قال : والله إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس فدخل على يزيد ، فقال له يزيد : ويحك ما وراءك ؟ فقال أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره ، ورد علينا الحسين بن علي بن أبي طالب وثمانية عشر من أهل بيته ، وستون رجلا من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال ، فغدونا إليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم " . انتهى
وهناك من الشيعة ممّن حالت الظروف بينهم وبين نصرة إمامهم وشعروا بالندم الكبير على تقاعسهم في نصرّة ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فخرجوا بعد مقتله طالبين بثأره ، وهم أصحاب الثورة المعروفة بثورة التوابين .
هذه هي حقائق التاريخ تثبت بالأدلة والمصادر القتلة الحقيقيين للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، فلا يحاول البعض أن يخلط بين الأوراق حتّى يمرر الباطل الذي يريد ، فالحقّ أحقّ أن يتبع كما يقول المولى سبحانه وتعالى .
ودمتم سالمين
