
إنّ ظاهر قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} يدلّ على أنّ الإنسان لا يتحمّل إلا ذنب نفسه، ولا يمكن أن يُنسب إليه ذنب غيره بحال، بينما يُفهم من قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} أنّ أناسًا يحملون ذنوب أنفسهم وذنوب غيرهم في الوقت نفسه، وهذا يُوهم أنّ القرآن يُثبت في موضع ما ينفيه في موضع آخر، فيقع التناقض بين نفي حمل وزر الغير وإثباته.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
القول بوجود تناقض بين قوله سبحانه: ﵟوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىﵞ [الأنعام:164]، وبين قوله: ﵟوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْﵞ [العنكبوت:13]، ناشئ من سوء فهم لمعنى الحمل في الآية الثانية ﵟوَلَيَحْمِلُنَّﵞ، إذ توهّم السائل أنّ الآيتين تتحدثان عن صورة واحدة، مع أنّ كل واحدة منهما تتكلم عن جهة غير الجهة التي تتناولها الأخرى.
فالآية الأولى تُبيّن مبدأً واضحًا في العدل الإلهي، وهو أنّ الإنسان لا يُحاسَب إلا على عمله، ولا يُعاقَب بذنب لم يرتكبه، فلا يُنقل الذنب من فاعله إلى غيره، ولا يتحمّل بريءٌ جريمة غيره، وهو معنى قوله تعالى: ﵟوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىﵞ.
أمّا الآية الثانية فلا تقول إنّ أحدًا يتحمّل ذنب غيره بدلًا عنه، بل تقول إنّ بعض الناس يجتمع على ذممهم أكثر من ذنب بسبب أفعالهم هم، فيحملون ذنوب أنفسهم كاملة، ثم يُضاف إليها ذنب آخر بسبب إضلالهم لغيرهم، لا لأنّ ذنب غيرهم نُقل إليهم، بل لأنّهم صاروا سببًا في وقوع ذلك الذنب.
فالفرق واضح بين أن يُعاقَب الإنسان بذنب لم يرتكبه أصلًا، وهذا منفيّ بالآية الأولى، وبين أن يُعاقَب بذنب ارتكبه هو بنفسه حين دعا غيره إلى الضلال أو جرّه إلى المعصية، وهو ما دلّت عليه الآيةُ الثانية دلالةً واضحة.
فإنّ شاربَ الخمر يتحمّل وزرَ فعله وحده، أمّا من شربها وكان سببًا في إغراء غيره بها أو دعوته إليها، فإنّ عليه وزرَ فعله ووزرَ إضلال غيره، مع بقاء إثم ذلك الغير عليه هو أيضًا، من غير أن يُنقَل عنه أو يُحمَل عنه ذنبه.
وهذا المعنى نفسه جاء صريحًا متواترًا في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها))، وقال في ضده ((من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها)) [بحار الأنوار، ج٧١، ص٢٠٦].
ومن الواضح أنّ ترتّب وِزر الإضلال على من سنَّ المعصية لا يقتضي سقوط الإثم عمّن باشرها، بل يبقى كلٌّ مؤاخذًا بعمله على نحو الاستقلال.
وبذلك يتّضح أنّ الآيةَ الأولى تثبت أنّ الإنسان لا يُحاسَب إلا على ما صدر منه، ولا يُحمَّل ذنبَ غيره، أمّا الآيةُ الثانية فتتعرّض لحالةٍ مختلفة، وهي حالُ من ارتكب الذنب بنفسه حين أضلّ غيره أو كان سببًا في معصيته، فتُثبت له عقوبةً أشدّ.. وعلى هذا، فلا تنافي بين الآيتين، لاختلاف مورد كلٍّ منهما.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
