مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

كيف يُجمع بين قوله تعالى ‏{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ}‏ مع قوله {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ‏}؟

السائل جامعة الكوفة النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 82 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

إنّ ظاهر قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} يدلّ على أنّ الإنسان لا يتحمّل ‏إلا ذنب نفسه، ولا يمكن أن يُنسب إليه ذنب غيره بحال، بينما يُفهم من قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ ‏أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} أنّ أناسًا يحملون ذنوب أنفسهم وذنوب غيرهم في الوقت نفسه، وهذا ‏يُوهم أنّ القرآن يُثبت في موضع ما ينفيه في موضع آخر، فيقع التناقض بين نفي حمل وزر ‏الغير وإثباته.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

القول بوجود تناقض بين قوله سبحانه: ﵟوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىﵞ [الأنعام:164]، وبين ‏قوله: ﵟوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْﵞ [العنكبوت:13]، ناشئ من سوء فهم لمعنى الحمل في ‏الآية الثانية‏ ﵟوَلَيَحْمِلُنَّﵞ، إذ توهّم السائل أنّ الآيتين تتحدثان عن صورة واحدة، مع أنّ كل واحدة ‏منهما تتكلم عن جهة غير الجهة التي تتناولها الأخرى. ‏

فالآية الأولى تُبيّن مبدأً واضحًا في العدل الإلهي، وهو أنّ الإنسان لا يُحاسَب إلا على عمله، ولا ‏يُعاقَب بذنب لم يرتكبه، فلا يُنقل الذنب من فاعله إلى غيره، ولا يتحمّل بريءٌ جريمة غيره، ‏وهو معنى قوله تعالى: ‏ﵟوَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىﵞ. ‏

أمّا الآية الثانية فلا تقول إنّ أحدًا يتحمّل ذنب غيره بدلًا عنه، بل تقول إنّ بعض الناس يجتمع ‏على ذممهم أكثر من ذنب بسبب أفعالهم هم، فيحملون ذنوب أنفسهم كاملة، ثم يُضاف إليها ذنب ‏آخر بسبب إضلالهم لغيرهم، لا لأنّ ذنب غيرهم نُقل إليهم، بل لأنّهم صاروا سببًا في وقوع ذلك ‏الذنب. ‏

فالفرق واضح بين أن يُعاقَب الإنسان بذنب لم يرتكبه أصلًا، وهذا منفيّ بالآية الأولى، وبين أن ‏يُعاقَب بذنب ارتكبه هو بنفسه حين دعا غيره إلى الضلال أو جرّه إلى المعصية، وهو ما دلّت ‏عليه الآيةُ الثانية دلالةً واضحة.

فإنّ شاربَ الخمر يتحمّل وزرَ فعله وحده، أمّا من شربها وكان سببًا في إغراء غيره بها أو ‏دعوته إليها، فإنّ عليه وزرَ فعله ووزرَ إضلال غيره، مع بقاء إثم ذلك الغير عليه هو أيضًا، من ‏غير أن يُنقَل عنه أو يُحمَل عنه ذنبه. ‏

وهذا المعنى نفسه جاء صريحًا متواترًا في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: ((من سن ‏سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها))، وقال في ضده ((من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ‏ووزر من عمل بها)) [بحار الأنوار، ج٧١، ص٢٠٦‏].‏

ومن الواضح أنّ ترتّب وِزر الإضلال على من سنَّ المعصية لا يقتضي سقوط الإثم عمّن ‏باشرها، بل يبقى كلٌّ مؤاخذًا بعمله على نحو الاستقلال.‏

وبذلك يتّضح أنّ الآيةَ الأولى تثبت أنّ الإنسان لا يُحاسَب إلا على ما صدر منه، ولا يُحمَّل ذنبَ ‏غيره، أمّا الآيةُ الثانية فتتعرّض لحالةٍ مختلفة، وهي حالُ من ارتكب الذنب بنفسه حين أضلّ ‏غيره أو كان سببًا في معصيته، فتُثبت له عقوبةً أشدّ.. وعلى هذا، فلا تنافي بين الآيتين، ‏لاختلاف مورد كلٍّ منهما.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة