مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

كيف يقولُ اللهُ لرسوله ‏{إِنَّكَ لَا تَهْدِي}، ثم يقول له: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي}؟‏

السائل جامعة الكوفة النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 53 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

إنّ القرآن الكريمَ يصف النبيّ (صلى الله عليه وآله) في آيةٍ بأنّه لا يهدي، كما في ‏قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، ثم يصفُه في آيةٍ أخرى بأنّه يهدي، كما في قوله تعالى: ‏‏﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وهنا يزعم بعضُهم بأنّ ظاهر الآيتين يقتضي التناقض؛ إذ ‏كيف ينفي عنه الهداية في موضعٍ، ويُثبِتها له في موضعٍ آخر؟!‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

إنّ منشأ الإشكال في ظاهر الآيتَين هو الظنُّ بأنّ الهداية معنًى واحدٌ لا اختلاف فيه، فيُتوهَّم ‏حينها أنّ نفيها في آيةٍ وإثباتها في أخرى تناقضٌ لا يجتمع. لكنّ القرآن لا يستعمل لفظ الهداية ‏بمعنًى واحدٍ، بل يُطلِقه على نوعين مختلفين:

نوعٍ جعله اللهُ في متناول الأنبياء والأوصياء، ‏وهو بيان الطريق وكشف الحقّ، ونوع آخر ليس في قدرة أحدٍ من الخلق، بل هو مِن فعْلِ اللهِ ‏وحده، فإذا تميّز هذان المعنيان ظهر أنّ الآيتين لا تتقابلان في جهةٍ واحدةٍ، وأنّ مورد النفي غيرُ ‏مورد الإثبات، فيرتفع الوهمُ من أصله، ويتّضح موقعُ كلّ آيةٍ وما تشير إليه.‏

وبيان ذلك:‏

أنّ القرآن الكريم حين قال للنبيّ (صلى الله عليه وآله): ﵟإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَﵞ ‏‏[القصص:56]، لم ينفِ عنه هدايةَ البيان، ولا إرشاد الناس إلى الحق؛ لأن هذا هو شأنُ ‏الأنبياء، وبه قامت دعوتُهم، وهو الغرض الذي بُعِثوا لأجله، وإنما نفى عنه نوعًا آخر من ‏الهداية، وهو ما يتعلّق بداخل النفس، من قبولٍ للحقِّ، وثباتٍ عليه، وتحويلٍ للإنسان من ‏الضلال إلى الهدى.‏

وهذه الهدايةُ لا يملكها نبيٌّ ولا وصيٌّ؛ لأنها ليستْ في حيّز قدرة البشر، بل هي أثرُ فعلِ اللهِ في ‏العبد حين يهيّئ أسبابَ الانجذابِ نحو الحقِّ، ويطوي عن النفس حُجب الجحود، فيتولّد من ذلك ‏الإيمانُ الثابت.. فهذه الهداية هي التي نفاها عنه بقوله سبحانه: ﵟإِنَّكَ لَا تَهْدِيﵞ؛ أي إنّك لا تقدر ‏أنْ تُبدِّل ما استقرّ عليه قلبُ مَن تريد له الهداية؛ لأنّ قبول الحقّ بعد بيانك له ليس بيدك، بل هو ‏راجعٌ إلى تدبير الله سبحانه في نفس العبد ، فهو الذي يفتح له باب القبول متى شاء.‏

وأمّا قوله تعالى: ﵟوَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍﵞ [الشورى:52]، فهو بيانٌ لوظيفةٍ ثابتةٍ من ‏وظائف النبوّة، وهي هداية الإرشاد؛ أيْ بيان الطريق، وكشْف معالمه، ووضْع الحجّة أمام ‏الناس بحيث يتميّز لهم وجهُ الحقّ من الباطل تميُّزًا جليًّا.‏

فالنبيّ (صلى الله عليه وآله) يقدِّم للناس الطريقَ واضحةً بيّنةً، ولو طلب إنسانٌ سبيل الحقّ ‏لوجده قد بُيِّن له بيانًا لا لبسَ فيه، وهذه الهداية مما يقدر عليه النبيُّ وأئمة الهدى بما آتاهم اللهُ ‏سبحانه من علمٍ وبيانٍ؛ لأنّها تقوم على التعليم والبيان، ولا تعارُض بينها وبين الهداية المنفيّة ‏في الآية الأولى؛ لأنّ هداية الإرشاد تتعلّق ببيان الطريق، أمّا الهداية المنفيّة فمتعلِّقة بإدخال العبد ‏في الطريق.‏

فالنبيّ ‏(صلى الله عليه وآله)‏ إنما يهدي من جهةِ البيان، وهذا ثابتٌ له بنصّ القرآن، بل هو من ‏وظائفه الرئيسة التي لا ينوب عنه فيها أحدٌ.‏

وأمّا التوفيق لقبول الحقّ، وتحويل العلم إلى إذعانٍ، وتحويل الإذعان إلى التزامٍ، فهو فعلُ الله ‏وحده. ولهذا لم يقلِ القرآنُ: (إنك لا تدلّ)، بل قال: (لا تهدي)، أيْ لا تُنشئ الهداية الروحيّة ‏والنفسيّة؛ لأنّها نسبةٌ لا تصحّ إلّا إلى الله سبحانه.‏

وحاصل الكلام أنّ الآيتين لا تتحدَّثان عن أمرٍ واحدٍ حتى يُتوهَّم بينهما التعارُض، بل كلٌّ منهما ‏تشير إلى نوعٍ مختلفٍ من الهداية: إحداهما تنفي عن البشر القدرة على تحويل القلوب، ‏والأخرى تُثبِت للنبيّ وظيفة البيان وإقامة البرهان. فإذا نُظِر إليهما معًا تبيَّن أنّ الطريق إلى ‏رضا الله يقوم على أمرين: نبيٍّ يوضّح الطريق، وربّ يمنح التوفيق.

فالنبيُّ يبيِّن المعالم، والعبدُ ‏يختار، والله يفتح له بابَ القبول حين يشاء. وبهذا يتّضح اقتران الآيتين على وجهٍ محكَم، ‏ويرتفع الإشكال من أصله.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة