
هل إله القرآن رحيم كما توحي أسماؤه (الرحمن، الرحيم) أم جلاد كما توحي به آيات العذاب والنار، وصورة الله التي ركّز عليها الخطاب الديني عبر الترهيب من جهنم؟ التفصيل: إن كان رحيمًا مطلقًا، فلماذا يذكر العذاب والخلود في النار؟ وإن كان جلادًا معذِّبًا، فلماذا اشتُق له من صفة الرحمة اسمين وابتدأ كل سورة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ وزاد هذا الإشكال أن رجال الدين كثيرًا ما صوّروا الله على أنه معذِّب، فربطوا العبادة بالخوف من النار أكثر من الوصل بالرحمة أو الشوق إلى الجنة. المفارقة: الرحمة المطلقة تنفي العذاب. والعذاب المطلق ينفي الرحمة. وإذا أُضيف إلى ذلك الخطاب الديني الذي يغلب فيه الترهيب على الترغيب، فإن صورة الله تتأكد في الوعي الجمعي كـ"جلاد" أكثر منها كـ"رحيم".
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحَ الظلام وهداةَ الأنام.
الإشكال بُني على توهّم أنّ رحمة الله وعذابه ضدّان لا يجتمعان؛ بحيث إذا أثبتنا الرحمة سقط العذاب، وإذا أثبتنا العذاب سقطت الرحمة، وهذا خلطٌ من أساسه؛ لأنّ رحمة الله سبحانه في القرآن ليست مجرّد عاطفة تُسقط المسؤولية عن المذنبين، بل هي تدبير شامل يبدأ بالخلق والرزق، ثم الهداية والإنذار، ثم فتح باب التوبة مرّة بعد أخرى، قال سبحانه: ﵟوَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍﵞ، وقال: ﵟقُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِﵞ.
فإذا أعرض العبد عن هذا كلّه وهو يعلم، واستمرّ على العناد بعد قيام الحجّة، كان ما يصيبه يوم القيامة أثر عمله هو، لا ظلمًا من ربّه، وقد أكّد القرآن هذا المعنى بقوله: ﵟوَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَﵞ، وقوله: ﵟفَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَاﵞ.
وبذلك يتبيّن موضع المغالطة عند المستشكل؛ إذ جعل الرحمة والعذاب متقابلين تقابل النفي والإثبات، مع أنّ العذاب في موضعه جزء من تمام الرحمة وعدلها؛ لأنّه يحفظ حقّ المظلوم، ويميّز بين المطيع والعاصي، ويجعل للتكليف معنى.
فلو نُفي العذاب بحجّة الرحمة لكان ذلك مساواةً بين الظالم والمظلوم، ولتعطّلت الشرائع، وسقط حقّ الله في الأمر والنهي، وهذا باطلٌ بداهة.. ثم إنّ العذاب ليس مطلقًا لكلّ عاصٍ؛ فالخلود إنما ورد في موارد الشرك والعناد مع العلم، أمّا ما دون ذلك فداخل تحت مشيئة الله ومغفرته، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.
وأمّا صورة (الإله الجلّاد) التي شاعت في بعض المنابر حين غلب الترهيب وأُهمل الرجاء، فهي قصور في أسلوب العرض، لا في نصوص الوحي ولا في نهج أهل البيت (عليهم السلام).
فإنّ منهج القرآن هو أن نسير إلى الله بين الخوف والرجاء معًا، قال سبحانه: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}، فالتخويف وحده يورث القنوط، والترغيب وحده يجرّئ على المعصية، ولهذا افتُتحت السور بالبسملة، حتى تلك التي تذكر العذاب والنار، إشارةً إلى أنّ الأصل رحمة واسعة، وأنّ الوعيد يجري تحت ظلّها حيث يستحقّه العبد بعد البيان.
والمتحصَّل من ذلك كله، أنّ الله تعالى رحيمٌ عادل؛ فرحمتُه هي الأصل في الخلق والرزق والهداية والتوبة، وعدلُه ظهورُ تلك الرحمة في موضع الاستحقاق.. فذِكرُ العذاب لا ينفي الرحمة، كما أنّ الرحمة لا ترفع العذاب عمّن استحقّه بعد قيام الحجّة.
ومن توهّم أنّ العذاب يناقض الرحمة فقد خلط بين مقام رحمة الله في إيجاد الخلق وهدايتهم، وبين مقام الجزاء على الأعمال، والقرآن الكريم جمع بين الأمرين بوضوح في قوله: ﵟوَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍﵞ، ومعه قوله: ﵟالْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْﵞ. وبهذا يظهر بطلان الإشكال وتصحّ الصورة.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطاهرين المعصومين.
