مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

كيف تجتمع سعة الرحمة مع وعيد العذاب؟

السائل حسين النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 85 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

هل إله القرآن رحيم كما توحي أسماؤه (الرحمن، الرحيم) أم جلاد كما توحي به ‏آيات العذاب والنار، وصورة الله التي ركّز عليها الخطاب الديني عبر الترهيب من جهنم؟ التفصيل: إن كان رحيمًا مطلقًا، فلماذا يذكر العذاب والخلود في النار؟ وإن كان جلادًا معذِّبًا، ‏فلماذا اشتُق له من صفة الرحمة اسمين وابتدأ كل سورة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ وزاد هذا ‏الإشكال أن رجال الدين كثيرًا ما صوّروا الله على أنه معذِّب، فربطوا العبادة بالخوف من النار ‏أكثر من الوصل بالرحمة أو الشوق إلى الجنة.‏ المفارقة: الرحمة المطلقة تنفي العذاب. والعذاب المطلق ينفي الرحمة.‏ وإذا أُضيف إلى ذلك الخطاب الديني الذي يغلب فيه الترهيب على الترغيب، فإن صورة الله ‏تتأكد في الوعي الجمعي كـ"جلاد" أكثر منها كـ"رحيم".‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحَ الظلام وهداةَ ‏الأنام.‏

الإشكال بُني على توهّم أنّ رحمة الله وعذابه ضدّان لا يجتمعان؛ بحيث إذا أثبتنا الرحمة سقط ‏العذاب، وإذا أثبتنا العذاب سقطت الرحمة، وهذا خلطٌ من أساسه؛ لأنّ رحمة الله سبحانه في ‏القرآن ليست مجرّد عاطفة تُسقط المسؤولية عن المذنبين، بل هي تدبير شامل يبدأ بالخلق ‏والرزق، ثم الهداية والإنذار، ثم فتح باب التوبة مرّة بعد أخرى، قال سبحانه: ﵟوَرَحْمَتِي وَسِعَتْ ‏كُلَّ شَيْءٍﵞ، وقال: ﵟقُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِﵞ. ‏

فإذا أعرض العبد عن هذا كلّه وهو يعلم، واستمرّ على العناد بعد قيام الحجّة، كان ما يصيبه يوم ‏القيامة أثر عمله هو، لا ظلمًا من ربّه، وقد أكّد القرآن هذا المعنى بقوله: ﵟوَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ‏كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَﵞ، وقوله: ﵟفَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَاﵞ.‏

وبذلك يتبيّن موضع المغالطة عند المستشكل؛ إذ جعل الرحمة والعذاب متقابلين تقابل النفي ‏والإثبات، مع أنّ العذاب في موضعه جزء من تمام الرحمة وعدلها؛ لأنّه يحفظ حقّ المظلوم، ‏ويميّز بين المطيع والعاصي، ويجعل للتكليف معنى.‏

فلو نُفي العذاب بحجّة الرحمة لكان ذلك مساواةً بين الظالم والمظلوم، ولتعطّلت الشرائع، وسقط ‏حقّ الله في الأمر والنهي، وهذا باطلٌ بداهة.. ثم إنّ العذاب ليس مطلقًا لكلّ عاصٍ؛ فالخلود إنما ‏ورد في موارد الشرك والعناد مع العلم، أمّا ما دون ذلك فداخل تحت مشيئة الله ومغفرته، قال ‏سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.‏

وأمّا صورة (الإله الجلّاد) التي شاعت في بعض المنابر حين غلب الترهيب وأُهمل الرجاء، ‏فهي قصور في أسلوب العرض، لا في نصوص الوحي ولا في نهج أهل البيت (عليهم السلام).‏

فإنّ منهج القرآن هو أن نسير إلى الله بين الخوف والرجاء معًا، قال سبحانه: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ‏خَوْفًا وَطَمَعًا}، فالتخويف وحده يورث القنوط، والترغيب وحده يجرّئ على المعصية، ولهذا ‏افتُتحت السور بالبسملة، حتى تلك التي تذكر العذاب والنار، إشارةً إلى أنّ الأصل رحمة ‏واسعة، وأنّ الوعيد يجري تحت ظلّها حيث يستحقّه العبد بعد البيان.‏

والمتحصَّل من ذلك كله، أنّ الله تعالى رحيمٌ عادل؛ فرحمتُه هي الأصل في الخلق والرزق ‏والهداية والتوبة، وعدلُه ظهورُ تلك الرحمة في موضع الاستحقاق.. فذِكرُ العذاب لا ينفي ‏الرحمة، كما أنّ الرحمة لا ترفع العذاب عمّن استحقّه بعد قيام الحجّة. ‏

ومن توهّم أنّ العذاب يناقض الرحمة فقد خلط بين مقام رحمة الله في إيجاد الخلق وهدايتهم، ‏وبين مقام الجزاء على الأعمال، والقرآن الكريم جمع بين الأمرين بوضوح في قوله: ﵟوَرَحْمَتِي ‏وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍﵞ، ومعه قوله: ﵟالْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْﵞ. وبهذا يظهر بطلان الإشكال ‏وتصحّ الصورة.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطاهرين المعصومين.‏

مسائل ذات صلة