
ما ظاهرُ مقتضى الحكمة والإرادة الإلهية من جعل ضربة علي <عليه السلام> يوم الخندق تُعادل عبادة الثقلين بينما أن له ضربات وحروب أُخرى غير يوم الخندق ؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
أقول: إنّ ضربةَ أمير المؤمنين (عليه السلام) يومَ الخندق قد عُظِّمت ورُفعت منزلتُها؛ لأنّها كانت ضربةً حُفِظ بها أصلُ الإسلام في وقتٍ خطير كان بقاءُ الدين كلّه متوقّفًا عليها.
ففي ذلك اليوم اجتمع الأحزاب يريدون استئصال الدين من جذوره، فبرز عليّ (عليه السلام) لمبارزة عمرو بن عبد ودّ العامري، وكانت تلك الضربة الحاسمة التي أطفأت نار الخطر، وأبقت الإسلام قائمًا.
والأعمال تُقاس بآثارها؛ فالصلاةُ والصومُ وسائرُ العبادات لا تبقى نافعةً إلّا إذا بقي الأصلُ الذي تُقام عليه، وهو الإسلام نفسه، ولولا ضربةُ علي (عليه السلام) يوم الخندق لانقطع الطريق أمام هذه العبادات كلّها، ولما وجد الناس بعد ذلك سبيلًا لإقامتها.
ومن هنا كان ثوابُها أعظم وأجزل؛ لأنّها الأساس الذي قامت عليه سائر الطاعات في الأزمنة اللاحقة.
ثمّ إنّ وقوعها في ظرفٍ حاسم زادها رفعةً؛ فالعملُ إذا وقع في محلّه ووقته أنتج من الخير العام ما لا تُنتجه أعمالٌ كثيرة في ظروفٍ عاديّة، والضربةُ التي تنقذ الدين في لحظته الحرجة لا يُقاس أثرها بعملٍ فرديٍّ يبقى أثره محدودًا، كما أنّ جميعَ مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في بدرٍ وأُحد وخيبر وغيرها كانت عظيمةَ القدر، بالغةَ النفع، وفي محلّها الصحيح، لا غبارَ عليها، لكن ضربةَ الخندق امتازت بخصوصيّةٍ لم تجتمع في غيرها، وهي أنّها وقعت في ظرفٍ كان بقاءُ الإسلام فيه معلَّقًا عليها، فكانت سببًا مباشرًا في حفظ أصل الدين واستمرار الرسالة.
كما أنّ أثرَ هذه الضربة لم يقتصر على أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه، بل تعدّى إلى الأمّة جمعاء، فبها أُمن الطريق لبقاء الشريعة، واستمرّت عبادات المسلمين عبر العصور.
فالمعنى إذن في الحديث: ((ضربةُ عليٍّ يومَ الخندق تعدلُ عبادةَ الثقلين))، أنّ هذه الضربة ـ لِما حفِظت من الإسلام، وما ترتّب عليها من بقاء الدين وانتفاع الأمّة ـ هي أعظم في مقامها وأجزل ثوابًا من العبادات الفرديّة التي لا يتجاوز نفعُها صاحبَها.
وأنّ جميعَ ضربات وحروب أمير المؤمنين (عليه السلام) في بدرٍ وأُحد وخيبر وغيرها كانت في محلّها، عظيمةَ الأثر، نافعةً للدين، لكن ضربةَ الخندق امتازت بخصوصيّةٍ لم تجتمع في غيرها، وهي أنّها حمت أصلَ الإسلام كلَّه من السقوط.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
