مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

كيف نفهم نسبة النسيان إلى الله في الآيات؟

السائل رائد الشاوي النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 60 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

سيّدَنا الكريم، أنا أقرأ في القرآن الكريم، وقد أشكلت عليّ آياتٌ نُسِب فيها النسيان إلى ‏الله تعالى، مثل قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، فهل ربّ العالمين ينسى؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

الله سبحانه لا ينسى أبدًا بمعنى الغفلة والذهول؛ لأنّ هذا نقصٌ يستحيل عليه سبحانه، وهو العالِم ‏المحيط بكل شيء. قال عزّ وجلّ: ﵟقَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَىﵞ ‏‏[طه:52]، وقال: ﵟوَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّاﵞ [مريم:64]، وقال: ﵟوَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًاﵞ ‏‏[الطلاق:12]. فكلّ ما في عالم الوجود حاضر في علمه، لا يخفى عليه شيء.‏

لكن قد تَرِد في القرآن آيات يُنسب فيها النسيان إلى الله سبحانه، كقوله عزّ وجل: ﵟفَذُوقُوا بِمَا ‏نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْﵞ [السجدة:14]، وقوله: ﵟنَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْﵞ [التوبة:67]. وليس ‏المراد النسيان الحقيقي، بل هو من أسلوب المشاكلة والمقابلة في العربية، حيث تُذكَر الكلمة ‏نفسها في الطرفين، ولكن بمعنيين مختلفين، فـنسيان العبد هو تركه ذكرَ الله سبحانه والإعراضُ ‏عن أوامره، وأمّا نسيان الله جلّ شأنه لهم فمعناه أنّه سبحانه يتركهم من رحمته وتوفيقه جزاءً ‏وعدلًا بعد قيام الحجّة عليهم بسبب إعراضهم، لا على معنى الغفلة والذهول - تعالى الله عن ذلك ‏‏- وقد جاء في تفسير الأمثل: ((ومما ينبغي الالتفات إليه أن موضوع نسيان الله تعالى قد عطف ‏بفاء التفريع على نسيان هؤلاء القوم، وهذا يعني أن نتيجة نسيان هؤلاء لأوامر الله تعالى ‏وطغيانهم وعصيانهم هي حرمانهم من مواهب الله ورحمته وعنايته)) ‏[تفسير الأمثل، للشيخ ‏ناصر مكارم الشيرازي، ج٦، ص١١٥]‏.‏

فالمعلّم قد يترك طالبًا أهمل النصح مرارًا، فيعامله معاملةَ من تُرِك وشأنه، لا لأنّ المعلّم نسيه، ‏بل لأنّ الطالب أعرض عن سماع التوجيه، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى}.‏

وهكذا يُجمَع بين نفي النسيان في قوله: ﵟوَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّاﵞ، وهو نفي الغفلة مطلقًا، وبين نسبته ‏في آيات الجزاء، وهو مشاكلةٌ ومقابلة يراد بها المعاملة بالحرمان من الرحمة والتوفيق لمن ‏استحقّ ذلك.‏

والخلاصة، أنّ الله سبحانه منزَّه عن النسيان الحقيقي على الإطلاق، وما ورد في القرآن الكريم ‏من نسبة النسيان إليه تبارك وتعالى إنّما هو على سبيل المشاكلة والمقابلة، أي معاملةُ العاصين ‏بما اختاروا لأنفسهم، بحرمانهم من الرحمة والتوفيق بعد إعراضهم، لا على معنى الغفلة ‏والذهول.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة