مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

كلمة (ناظرة) في الآية ليست مأخوذة من النظر.

السائل ام ادم النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 198 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

فسروا لنا قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم وجوهٌ يومئذٍ ناضرة الى ربها ناظره.

الجواب

بسمه تعالى

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

ليس المراد بـ (ناظرة) في قوله تعالى: ﵟوُجُوهٌ يومئذ ناضرة * إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌﵞ [القيامة:22-23]، النظر المادي (الجسمي) لله سبحانه وتعالى، وانما المراد به الانتظار، فكأنه قال: لثواب ربها منتظرة، ومثله قوله: ﵟوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَﵞ [النمل:35]، أي منتظرة، وليس النظر بمعنى الرؤية في شيء من كلام العرب، ألا ترى انهم يقولون: نظرت الى الهلال فلم أره، فيثبتون النظر وينفون الرؤية، ولو كان معناه الرؤية لكان ذلك مناقضه، ويقولون ما زلت أنظر إليه حتى رأيته، ولا يقولون ما زلت أراه حتى رأيته، ولو سلم ان النظر بمعنى الرؤية لجازان يكون معناه الى ثواب ربها رائية، وثواب الله تصح رؤيته. [انظر: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد]، كما روي هذا المعنى عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ: ﵟوُجُوهٌ يومئذ ناضرة * إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌﵞ [القيامة:22-23]، قال عليه السلام: «يعني مشرقة تنتظر ثواب ربِّها» [التوحيد، للصدوق، باب: 8، ح: 19، ص: 116].

وقال الشيخ محمد عبدة: «أما رؤية الرب تعالى فربما قيل: إن آيات النفي فيها أصرح من آيات الأثبات، كقوله تعالى: ﵟلَن تَرَانِيﵞ} [الأعراف:143]، وقوله تعالى: ﵟلاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُﵞ [الأنعام:103]، فيهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى: ﵟوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌﵞ [القيامة:22-23]، على الأثبات، فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب، كقوله: ﵟمَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس:49]». [تفسير المنار، ج9، ص136].

وأورد السيوطي في الدر المنثور روايتين في تفسير قوله تعالى: ﵟإِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌﵞ، وهما:

1 - أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله وجوه يومئذ ناضرة، قال: حسنة، إلى ربها ناظرة: قال: تنتظر الثواب من ربها.

2 - وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: إلى ربها ناظرة، قال: تنتظر منه الثواب. [الدر المنثور، ج6، ص290].

إذن فالمقصود من النظر في الآية الكريمة، هو انتظار الرحمة الاِلَهية، لاَنّ في الآية شاهدين على ذلك:

1 ـ إن النظر في هذه الآية نُسِبَ إلى الوجوه وقال ما معناه: إنّ الوجوه المسرورة تنظرُ إليه. ولو كان المقصود هو رؤية الله بالبصر لنُسِبَ النظر إلى العيون لا إلى الوجوه.

2 ـ إن الكلام في هذه السورة عن فريقين: فريق يتمتّع بوجوهٍ مسرورةٍ مشرقةٍ وقد بيّن ثوابَها بقوله: ﵟإلى رَبّها ناظِرَةٌﵞ. وفريق يتسم بوجوه حَزينة مكفهرّة وقد بيّن جزاءها وعقابها بقوله: ﵟتَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقِرَةٌﵞ.

والمقصود من الفقرة الثانية واضح وهو أنّ هذا الفريق يعلم بأنّه سيصيبه عذابٌ يفقر الظهر، ويكسره ولهذا فهو ينتظر مثل هذا العذاب الاَليم.

وبقرينة المقابلة بين هذين الفريقين يمكن معرفة المقصود من الآية الأولى وهو أنَّ أصحاب الوجوه المسرورة تنتظر رحمة الله، فقوله تعالى: ﵟإلى رَبّها ناظِرةﵞ كنايةٌ عن انتظار الرَّحمة الاِلَهية، ولهذا النّوع من التكنية وذكر شيء وإرادة شيء آخر كنايةً نظائر في المحاورات العرفية فيقال فلانٌ عينه على يد فلان أي أنّه ينتظر إفضالهَ وإنعامه عليه. [انظر: العقيدة الإسلامية، للسبحاني، ص83].

والقرآن الكريم يثبت استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، فقد جاء في سورة الأنعام الآية (102) قوله تعالى: ﵟلَّا تُدْرِ‌كُهُ الْأَبْصَارُ‌ وَهُوَ يُدْرِ‌كُ الْأَبْصَارَ‌ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُﵞ، قال الطبرسي: ((أي لا تراه العيون لأن الإدراك متى قرن بالبصر لم يفهم منه إلا الرؤية كما أنه إذا قرن ب آلة السمع فقيل أدركت بإذني لم يفهم منه إلا السماع وكذلك إذا أضيف إلى كل واحد من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة فيه فقولهم أدركته بفمي معناه وجدت طعمه وأدركته بأنفي معناه وجدت رائحته)). [مجمع البيان، ج4، ص113].

وجاء في سورة البقرة الآية (54-55)، قوله تعالى: ﵟوَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرانِىﵞ، إنّ هذه الآية من الآيات التي تشهد بقوة وجلاء أنّ الله غير قابل للرؤية والمشاهدة مطلقاً، لأنّ كلمة «لن» حسب ما هو مشهور بين اللغويين للنفي الأبدي، وعلى هذا الأساس يكون مفهوم جملة (لن تراني) إنّك لا تراني لا في هذا العالم ولا في العالم الآخر. [تفسير الأمثل، ج5، ص211].

وغيرها من الآيات الدالة على استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

الخلاصة:

ليس المراد بـ (ناظرة) في قوله تعالى: ﵟوُجُوهٌ يومئذ ناضرة * إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌﵞ [القيامة:22-23]، النظر المادي (الجسمي) لله سبحانه وتعالى، وانما المراد به الانتظار، فكأنه قال: لثواب ربها منتظرة.

والقرآن الكريم يثبت استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، فقد جاء في سورة الأنعام الآية (102) قوله تعالى: ﵟلَّا تُدْرِ‌كُهُ الْأَبْصَارُ‌ وَهُوَ يُدْرِ‌كُ الْأَبْصَارَ‌ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُﵞ، وجاء في سورة البقرة الآية (54-55)، قوله تعالى: ﵟوَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرانِىﵞ، إنّ هذه الآية من الآيات التي تشهد بقوة وجلاء أنّ الله غير قابل للرؤية والمشاهدة مطلقاً، لأنّ كلمة «لن» حسب ما هو مشهور بين اللغويين للنفي الأبدي.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة