مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

اختلاقُ الملازمة الشرعية بين الصحابة والقرآن

السائل أبو عمر النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 171 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يا شيعةُ، طعْنكم بالصحابة يستلزم الطعنَ في القرآن وفي الشريعة؛ وذلك لأنّ الطعن في النقَلة طعنٌ في المنقول؛ ‏إذ كيف نثق بكتابٍ نقَله إلينا الفسَقة والمرتدّون والعياذ بالله‏، عليكم من الله ما تستحقون.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

قبل الخوض فيما هو الغرضُ تجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس المقصود من تفنيد هذه الشبهة الدفاع عمّن يطعنون في جميع الصحابة، فالطعْن وما شاكله وكلّ أنواع البذاءة في المنطق لا ‏يمكن لعاقلٍ أنْ يدافع عنها، بل لا يرتكبها عاقلٌ في حالةِ سيطرةِ عقله على منطقه، و‏تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد مسلمٌ واحدٌ له في دين الله نصيبٌ يطعن في جميع صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

نعم، ‏هنالك أناسٌ من الصحابة شذّوا عن شِرعة الحقِّ ومنهاجه، ومِن هذا المنطلق أجرت الشيعةُ ‏قواعد الجرح والتعديل على جميع الصحابة، إلا أن هذا الإجراء صار مأخذًا للحكم عليهم بتهمة الطعن على الصحابة، مع أنه خليقٌ بكلِّ مسلمٍ أنْ يأخذ معالمَ دينه عن عدول ‏الصحابة وثقاتهم لا كيفما كان، تعويلًا على مقولة عدالة عموم الصحابة، فالصُّحبة وإنْ كانت ‏عند البعض فضيلةً إلا أنها لا تعصم صاحبها من الخطأ، وبهذا الصدد يقول الذهبي: ((فكلام ‏الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذبِّ عن السنّة‏)) [سِيَر أعلام النبلاء، ج13، ص268، ط. الرسالة].

والملازمة التي ذكرها المستشكل ليستْ ملازمةً شرعية، وليست بمُلزِمةٍ لأحدٍ، ولا هي حجّةٌ ‏على أحد، وفضلًا عن ذلك لا يوجد عليها دليلٌ البتة، وبيان ذلك:‏

أولًا: أنه لم يقلْ أحدٌ من الأولين والآخِرين أن القرآن قد نُقل عن فلانٍ الثقة عن مثله وهكذا؛ ‏وإنما نُقل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نقلًا متواترًا شفهيًّا وكَتْبيًّا، جيلًا عن جيلٍ، وعصرًا عن عصرٍ، ‏وقرنًا عن قرنٍ، وأمةً عن أمةٍ، ولم يُنقلْ عن طريق الآحاد حتى يُبحث في جزئيّات سنَده، ‏فيلزم من الطعن في رواته الطعنُ فيه، فالمتواتر لا يُشترط فيه العدالة، وإذا كان كذلك فلا ‏تُشترط العدالة في ثبوت القرآن وإثباته.‏

ثانيًا: لقد دلّت النصوصُ القرآنية والسنّة النبويّة والوثائق التاريخية على نفاق‏ بعض الصحابة وفِسقهم وارتدادهم، والتي منها علمنا بوجود هذه الصفات إجمالًا وتفصيلًا بين ‏الصحابة، ومن النصوص القرآنية الدالّة على ذلك، قوله سبحانه: ﵟوَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ ‏آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ*فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ ‏مُعْرِضُونَ*فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ‌‏ﵞ [التوبة: 75-77]، نزلت في رجلٍ من الأنصار، وهو الصحابيُّ "ثعلبة بن حاطب". [يُنظر: تفسير الطبري، ج14، ص370، ط. دار التربية والتراث].

وقوله تعالى: ﵟأَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا ‏يَسْتَوُونَﵞ[السجدة:18]، قال البغوي في تفسيره: ((نزلت في عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، وذلك أنه كان بينهما تنازعٌ وكلامٌ في شيء، فقال الوليد بن عقبة لعليّ: اسكت، فإنك صبيٌّ، وأنا ـ والله ـ أبسَط منك لسانًا، وأحدُّ منك سنانًا، وأشجع منك جنانًا، وأملأ منك حشوًا في الكتيبة. فقال له عليّ: اسكت، فإنك فاسق، فأنزل الله تعالى الآية)) [تفسير البغوي، ج6، ص307، ط. طيبة]، فالمؤمن في الآية هو عليُّ بنُ أبي طالب (عليه السلام)، والفاسق هو الصحابيّ الوليد بن ‏عقبة!!

وقوله تعالى:ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا ‏قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَﵞ ‏[الحجرات:6]، هذه الآية بإجماع المفسِّرين نزلتْ في تفسيق الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، وهو من صحابة ‏رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)!!.‏

‏ وأما ما ورد عن النبيّ ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) ‏من الأخبار، فهذه بعضها: ‏

روى البخاريُّ في صحيحه، عن سهل بن سعد، قال: ((قال رسول الله: إني ‏فُرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرِب، ومن شرِب لم يظمأ أبدًا، ليَرِدَنّ عليّ أقوامٌ ‏أعرفُهم، ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم)) [صحيح البخاري، ج5، ص2406، تـ. البغا]. ‏

وروى مسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة: ((ليُذادَنّ رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير ‏الضالّ، أُناديهم ألا هَلُمّ، فيقول الله: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدّوا على أدبارهم ‏القهقرى، فأقول سُحقًا سُحقًا)) [صحيح مسلم، ج1، ص218، تـ. عبد الباقي].

وروى – أيضًا - عن قيسٍ، عن عمار، أنّ حذيفة بن ‏اليمان أخبره، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: ))في أصحابي اثنا عشر منافقًا، فيهم ثمانيةٌ لا يدخلون ‏الجنة حتى يلِج الجمل في سَمِّ الخِياط، ثمانيةٌ منهم تكفيكَهُم الدّبيلة، وأربعةٌ لم أحفظ ما قال ‏شعبة فيهم)) [صحيح مسلم، ج4، ص2143].‏

فهذه الأحاديث وغيرها ‏كثيرٌ قد رواها أئمة الحديث وحفّاظه من أهل السُّنة بطرقٍ كثيرة وبألفاظٍ متقاربةٍ، ونكتفي بما ‏أوردناه ففيه بلاغ.‏

فتحصّل مما ذكرنا أنّ من يدّعي عدالة جميع الصحابة هو نفسُه يطعن بالكتاب والسُّنة؛ لأن ‏تعديل مَن نصّ القرآن على فسقَهم ونفاقهم - وكذلك الأخبار ‏الواردُ ذكرُها في أصحِّ الصحاح عند أهل السُّنة التي أثبتت ارتداد بعض الصحابة - يكون ردًّا ‏على الله تعالى ورسوله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم).

وعليه فلا يكون الطاعن في مَن ورد طعنُه في الكتاب والسُّنة ‏طاعنًا فيهما، بل على العكس من ذلك، فإن من قال بعدالة المطعون به كتابًا وسُنّة يكون طاعنًا فيهما قطعًا.‏

‏وختامًا نقول: إن تقديس من لا يستحق التقديس، وتصديق من ليس أهلًا للتصديق من الصحابة وإسدال ‏الستار ‏على قبيح أفعالهم وأقوالهم بحجّة الإمساك عما جرى بينهم، كلُّ ذلك يعود على الإسلام ‏بأسوأ ‏العواقب، فيؤدي إلى اختلاط الحديث الصحيح بالسقيم، والتباس الأمر على الناس، ‏ويتيح لأعداء ‏الدين تحقيق مآربهم، ويسهِّل عليهم الطعن في دين الله تعالى، وفي نبيِّه ‏العظيم ‏(صلى الله عليه وآله ‏وسلم)‏ وحديثه الشريف، أما لو حصل التعرُّف على واقع الصحابة، وأُعطي كلُّ ذي ‏حقٍّ حقَّه مِن ‏نقْدِ حمَلة الحديث وتمييز الصادق من الكاذب، وتنقية الحديث الشريف من ‏الأكاذيب والموضوعات ‏والأساطير والخرافات، فإنه - بلا أدنى شك - سيكون ذلك سدًّا منيعًا ‏بوجه المتربِّصين بالإسلام ‏والمسلمين.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة