
كيف يتم الاستدلال على إمامة الصادق (عليه السلام) بعد أبيه الباقر (عليه السلام) وكيف نثبت أنه خليفة أبيه ووصيه، وبماذا نثبت ذلك للمخالفين؟
الجواب
بسمه تعالى
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، كان منصوصا عليه بالإمامة من قبل أبيه الباقر (عليه السلام) – وهو الإمام المسلم بإمامته – ومنظورا إليه في بالذات في النصوص المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق أهل بيته (عليهم السلام)، ومجمعا لكل شروط الإمامة وصفاتها المطلوب اجتماعها فقها وشرعا في شخص الإمام المرشح لذلك.
أما كونه خليفة أبيه ووصيه الذي نص عليه بالإمامة من بعده، فقد تعددت روايته على ألسن المحدثين والمؤرخين، ونقلتها المصادر المعنية الموثوقة لدى المسلمين، من ذلك قول ابن حجر الهيتمي في الصواعق: ((كان خليفة أبيه ووصيه)) [الصواعق المحرقة، ص120].
ومن ذلك قول الشيخ المفيد وابن الصباغ المالكي: أنه كان ((من بين أخوته خليفة أبيه محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ووصيه القائم بالإمامة من بعده)) [الإرشاد، ص288؛ الفصول المهمة، ص204].
ومنه أيضاً: قول الطبرسي والمجلسي: ((ووصى إليه أبوه أبو جعفر (عليه السلام) ونص عليه بالإمامة نصاً جلياً)) [الاحتجاج، ص203؛ بحار الأنوار، ج47، ص14].
واستخلص ابن شهر آشوب من مجموع الروايات ثبوت النص على إمامته من بعد أبيه لدى المسلمين، بقوله: ((وثبت من الطريقين المختلفين أنه منصوص عليه)) [المناقب، ج2، ص300].
وأما ثبوت ذلك بالنصوص النبوية فيكفينا أن نورد هنا ما جاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) متواتراً، قوله: ((الأئمة من قريش))، وهذا الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده [3، ص129، 183، وج4، ص421]، والطيالسي في مسنده، [ص125، 284]، والحاكم في مستدركه [ج4، ص501]، وصحّحه ووافقه الذهبي، وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير [ج1، ص480]، والهيثمي في مجمع الزوائد [ج5، ص192]، والبيهقي في السنن الكبرى [ج3، ص121، وج4، ص76]، والطبراني في المعجم الصغير [ج1، ص152]، والألباني في صحيح الجامع الصغير [ج1، ص534].
وقال أبو نعيم في الحلية [ج3، ص171]: ((هذا حديث مشهور ثابت من حديث أنس))، وقال البيهقي في السنن [ج3، ص121]: ((مشهور من حديث أنس)).
وعدّه السيوطي من الأحاديث المتواترة في كتابه (قطف الأزهار المتناثرة، ص248)، والكتاني في نظم المتناثر[ص169]، وابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل [ج4، ص152]، وغيرهم، واستقصى الألباني طرق هذا الحديث وصحّحها ونفى الشك في تواتر الحديث في إرواء الغليل [ج2، ص298-301]، فبمقتضى هذا الحديث لا تصح إمامة غير القرشي كائناً من كان.
وإذا أردنا معرفة هؤلاء الأئمة من أي بطن من بطون قريش هم، فإننا نجد الجواب في قول الإمام عليّ (عليه السلام): ((إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم)) [نهج البلاغة، صبحي الصالح، خ144، ص201]، إذن هؤلاء الأئمة من قريش هم من بني هاشم.
ولمعرفة عدد هؤلاء الأئمة، نضم إلى الحديث المتقدم النصوص النبوية الشريفة المتفق على صحتها بحصر عدد الأئمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) باثني عشر إماما، حدا فاصلا وبيانا هاديا لا يترك منفذا لاختلاف الآراء وتدخل الاجتهادات، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((الخلفاء بعدي اثنا عشر، كلهم من قريش)) [صحيح البخاري، ج9، ص147، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف؛ صحيح مسلم، ج3، ص1452].
إذن الأئمة لابد أن يكون من قريش من بطن هاشم، وعدتهم اثنا عشر إماما.
ولمعرفة من هؤلاء الأئمة، نضم إلى الأحاديث المتقدمة – أيضاً - ما جاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الصحيح الثابت المتواتر المتسالم عليه المروي عن بضع وعشرين صحابيا كما صرح بذلك ابن حجر الهيتمي في [الصواعق المحرقة، ص136]، المعروف بحديث الثقلين، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إني تارك أو مخلف فيكم الثقلين، أو: الخليفتين. ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض))، فبمقتضى هذا الحديث يجب أن يكون هؤلاء الأئمة الذين هم من قريش وعدتهم اثنا عشر، أئمة معصومين، ولم تجتمع هذه الشروط في غير أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كما لم يدعي غيرهم توافره على هذه الشروط مجتمعة.
ومن تلك الأحاديث - أيضاً - حديث السفينة، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق)) [مستدرك الحاكم، ج2، ص151؛ والخصائص الكبرى للسيوطي، ج2، ص266]، ومن المعلوم أنّ سَفينة «نوح» كانت هي الملجأ الوحيد لنجاة الناس من الطوفان في ذلك الوقت، وهذا الحديث يؤكد على أن أهلَ البيت النبويّ هم الملجأ الوَحيد للاَمّة، للنجاة من الحوادث العصيبة والوقائع الخطيرة التي طالما تُؤدّي إلى انحراف البشرية وضلالها، حيث ظهر منهم من أنواع العلوم ما ملأ بطون الكتب، وصنف أصحابهم في الأحاديث المروية عنهم في علوم شتى، ما يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب، وامتاز من بينها أربعمائة مصنف تعرف بالأصول الأربعمائة، وها هو «أبان بن تغلب وحده روى عن إمام واحد وهو جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث» [راجع: الإمام الصادق، محمد حسن المظفر، ج1، ص144]، وقال الحسن بن الوشا من أصحاب الرضا (عليه السلام): ((أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد)) [الرجال للنجاشي، ص139، برقم 79].
والإمام الصادق (عليه السلام) ممن اجتمعت فيه الصفات وتوفرت فيه المؤهلات والكفايات، قال أبو حنيفة إمام المذهب المنسوب إليه: ((ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد)) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج6، ص364]، وقد حضر عنده هو ومالك بن أنس وغيرهما من أئمّة أهل السنّة، وفي مختصر التحفة الإثنا عشرية عن أبي حنيفة إنّه قال: ((لولا السنتان لهلك النعمان)) [مختصر التحفة الإثنا عشرية، ص9].
وقال مالك بن أنس إمام المذهب المنسوب إليه: ((اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصل، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث إلا على طهارة)) [تهذيب التهذيب، ج2، ص105].
وقال عمرو بن أبي المقدام: ((كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين)) [تهذيب التهذيب، ج2، ص104؛ وسير أعلام النبلاء، ج6، ص364].
ونقل عن الخليفة العباسي المنصور في رسالة له إلى محمد النفس الزكية، قوله: ((ما ولد منكم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من علي بن الحسين... وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي... ولا مثل ابنه جعفر بن محمد)) [العقد الفريد، ج5، ص343؛ والكامل في التأريخ، ج5، ص539].
وقال أبو حاتم: ((ثقة لا يسأل عن مثله)) [تهذيب التهذيب، ج2، ص104]، وروي مثل ذلك عن أعلام المحدثين، ولخص الذهبي هذه الروايات بقوله: ((احتج به سائر الأمة)) [سير أعلام النبلاء، ج6، ص257]، وقال في التذكرة: ((وحدث عنه الأئمة)) [تذكرة الحفاظ، ج1، ص168].
وقال ابن حجر الهيتمي: ((نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الأكابر)) [الصواعق المحرقة، ج2، ص586].
والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
