مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل يرضى الله بالشرّ؟

السائل حسين النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 184 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

سيّدنا، كيف تُفهم الآية {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ قوله تعالى: ﵟقُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِﵞ [النساء:78] لا يُراد به أنّ الله سبحانه يباشر الخير والشرّ على حدّ سواء، فإنّ ذلك ممّا تنزّهت عنه ساحةُ قدسه، بل المراد أنّ كلّ ما يجري في عالم التكوين داخلٌ في سلطان الله وتقديره، لا يخرج شيءٌ عن ملكه وتدبيره. فالخير من الله تفضّلًا ورحمة، وأمّا الشرور فليست محبوبةً عنده ولا مرادةً له بالرضا، ولكنّه سبحانه أذن بوجود أسبابها ضمن نظام الابتلاء، والإنسان هو الذي يختار تلك الأسباب بسوء فعله، فيتحمّل تبعاتها.

ومن هنا جاء البيان في الآية التي تليها: ﵟمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَﵞ [النساء:79]، فالنسبة إلى الله سبحانه إنّما هي من جهة الخلق والإيجاد، وأمّا النسبة إلى العبد فهي من جهة الكسب والاستحقاق. فالحسنة تُنسَب إلى الله تبارك وتعالى، لأنّه هو الواهبُ للنعمة، والسيئة تُنسَب إلى الإنسان لأنّه هو الذي جرّها على نفسه بخياره.

فالطبيبُ الخبير قد يصف لمريضه دواءً نافعًا، فإن أخذه المريض كما وُصف له انتفع به، وإن أساء استعماله أو جاوز الحدّ المقرَّر عاد عليه بالضرر. فأصل الدواء من الطبيب، غير أنّ الضرر لم يرده الطبيبُ ولم يُرِدْه للمريض، بل نشأ من تصرّف المريض الخاطئ.

ولله المثل الأعلى، فكذلك النِّعَم الإلهية، كلّها خيرٌ محض، فإن استعملها العبد في طاعة الله كانت حسنةً تنمو آثارها، وإن صرفها في المعصية انقلبت وبالًا عليه، فيصدق أنّ الحسنة من الله والسيئة من نفسه.

وبهذا البيان يظهر أنّ الآية الكريمة لا تُنافي أصل التوحيد ولا عدل الله جلّ وعلا، بل تؤكد أنّ سلطان الله شاملٌ لكلّ ما في الوجود، مع بقاء العبد مسؤولًا عن أفعاله واختياراته، فلا يُنسَب إلى الله ظلمٌ ولا عبث، وإنّما يُنسَب إليه الخلقُ والإيجاد، وتُنسَب إلى العبد جناياتُه واكتسابُه.

والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسلام على من نزّل القرآن على صدره، فبلّغه إلى ‏أمته، ‏وعلى آله المعصومين الذين بيّنوا ما أَمر الله به.‏

مسائل ذات صلة