
يتّضح من قوله تعالى: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76] أنّ الفرح مذمومٌ وغير محبوبٍ، بينما يأمر سبحانه في موضعٍ آخر بالفرح، ويحُثّ عليه بقوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58]. فهل في القرآن تنافٍ في حكم الفرح؟ بيِّنوا لنا ذلك فضلًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنَّ منشأَ السؤال هنا هو ما يتراءى للناظر من أنَّ القرآنَ في موضعٍ يَنهى عن الفرح، ويذمّ الفرحين، وفي موضعٍ آخر يأمر بالفرح، ويحثّ عليه؛ فيَتوهّم السائلُ وجودَ تنافٍ أو تكاذبٍ بين الآيتَين، والحقيقةُ أنْ لا تناقضَ في كلامِ الله عزّ وجلّ؛ لأنّ كلا الموردين يتناول معنًى مختلفًا للفرح، ولكلّ واحدٍ منهما سياقٌ خاصٌّ وغايةٌ مخصوصة.
فالآيةُ الواردةُ في قصةِ قارون تقول: ﵟلَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَﵞ، والمقصودُ بهذا الفرحِ فرحُ البطَرِ والغرورِ بما في أيدي الناسِ من زخارفِ الدُّنيا وأموالِها وزينتِها، بحيث يورثُ صاحبَه الكِبْرَ، ويُغفِله عن الآخرة؛ كما كان حالُ قارون الذي أُعطِي الكنوزَ، فاغترَّ بها، وتعاظم على قومه. فهذا الفرحُ يذمّه القرآنُ؛ لأنّه يُبعِد عن الله، ويمثّل انغماسًا في متاعٍ فانٍ يُعمي القلبَ عن الدار الباقية.
أمّا قوله تعالى: ﵟقُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُواﵞ، فهو فرحٌ من سِنخٍ آخر؛ هو فرحُ المؤمنِ بما أنعمَ اللهُ به من نورِ الإيمان، وهدايةِ القرآن، وولايةِ أوليائه، ورحمته التي وسعت كلَّ شيءٍ. وهذا الفرحُ ممدوحٌ؛ لأنّه يُظهِرُ شكرَ النعمة، ويزيدُ في الطمأنينة، ويقرِّبُ العبدَ إلى ربّه. فالفرحُ بالله فرحٌ بالحقّ، بخلافِ الفرحِ بالدنيا؛ فإنّه فرحٌ بالباطل.
فإذا تدبَّرنا هذه المعاني زالَ التوهُّم، واتّضح أنَّ الآيتين ليستا متناقضتَين؛ بل كلُّ واحدةٍ منهما تكشفُ جانبًا من واقعِ الإنسان، فإذا فرِح بالدنيا المعزولةِ عن الله سبحانه كان ذلك مبغوضًا، وإذا فرح بفضلِ الله تبارك وتعالى كان ذلك محبوبًا.
وهكذا يعلِّمنا القرآنُ أنْ نُفرّق بين فرحٍ يُورِثُ الغفلةَ، فيُقصي عن الله جلَّ وعلا، وبين فرحٍ يُثمِرُ الشكرَ، فيقرّب إليه.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
