مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل القائلُ للإمام الحسن (ع): (السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين) كان من شيعته؟

السائل منتظر الخزاعي النشر القراءة 6 دقيقة المشاهدات 426 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... إنّ صلح الإمام أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) قد رافقه الكثير من الأحداث المؤلمة، وقد وصل إلينا بعضها، ومنها قول رجلٍ من صحابته له (السلام عليك يا مُذلَّ المؤمنين) وقد اختلفت الأخبار حوله، فتارة يقولون حجر بن عدي، وتارة سليمان بن صُرَد، وتارة سفيان بن أبي ليلى .... السؤال / من قائل المقولة أعلاه إنْ صحّت الرواية؟ وماذا يترتب على القائل عقائديًّا؟ وما معنى تحريم توهين الرواية الضعيفة؟ وجزاكم الله، ووفقكم لكل خير.

الجواب

الصحيح أنّ القائل للإمام الحسن (عليه السلام): ((السلام عليك يا مُذلَّ المؤمنين)) هو سفيان بن أبي ليلى الهمداني، وقد اختُلف في اسم سفيان هذا بين سفيان بن ليلى، وسفيان بن أبي ليلى، وسفيان بن يا ليل.

فإنْ قيل: إنّ سفيان بن أبي ليلى عُدّ من حواريي الإمام الحسن (عليه السلام)، على ما رواه الشيخ المفيد في الاختصاص [الاختصاص، ص٦١]، والكشي في رجاله، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال: ((...ثم ينادي المنادي: أين حواري الحسن بن علي؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمداني وحذيفة بن أسيد الغفاري...)). [اختيار معرفة الرجال، ج١، ص٤٥].

يُقال في جوابه: إنّ الحواريّ هو من خلص من كل ريب، ونَقِيَ من كل عيب، وأخلص سريرته ونيته في نصرة الأنبياء والأوصياء والتصديق بهم، وإذا ما أردْنا تطبيق هذا المعنى على سفيان بن أبي ليلى المدَّعى أنه من حواريّي الإمام الحسن السبط (عليه السلام)، سنجد أنّ هذا المعنى لا ينطبق عليه لا كلًّا ولا بعضًا؛ إذ إنّ تعنيفه وعيبه على الإمام الحسن (عليه السلام) لصلحه مع معاوية بقوله: ((السلام عليك يا مُذلَّ المؤمنين))، لا ينمُّ عن خلوص نيّته وإخلاص سريرته في نصرة الإمام الحسن (عليه السلام)، مع أن المفروضَ والمتوقَّع منه ـ على أنه حواريّ ـ نصرةُ الإمام وتأييدُه، بل والرجوع إليه في كل أقواله وأفعاله، إلا أنّ هذا الفرض منتفٍ بحسب الرواية المنقولة التي بيّنت رفضه واعتراضه على عقد الصلح الذي أبرمه الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية بن أبي سفيان.

وقد ضعّف السيد الخوئي (قدس سره) الرواية بالإرسال وجهالة علي بن الحسن الطويل، فلا يمكن الاستدلال بها على مدح الرجل ولا على قدحه [يُنظر: معجم رجال الحديث، ج٩، ص١٥٧]، وكذلك لا يمكن الاعتماد على كتاب الاختصاص لعدم ثبوت نسبته إلى الشيخ المفيد (قدس سره)، الأمر الذي أشار إليه – أيضاً - السيد الخوئي (قدس سره) في معجمه. [يُنظر: معجم رجال الحديث، ج١١، ص٣٦٢].

والظاهر من بعض الروايات أن سفيان بن أبي ليلى كان على رأي الخوارج، وهذا ما أشار إليه الشيخ القرشي (رحمه الله) في موسوعته، حيث قال: ((وسفيان بن أبي ليلى كان ممن يدين بفكرة الخوارج؛ فقد دخل على الإمام، وتكلم بكلماتٍ تنُم عن نفسٍ مترَعة بالجفاء والجهل قائلاً: السلام عليك يا مُذلّ المؤمنين)) [موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السلام، ج١١، ص٢٧٣].

وجاء عن ابن الجوزي في التذكرة ما يؤكد كون سفيان بن أبي ليلى خارجيًّا، وهو قوله: ((وفي رواية ابن عبد البر المالكي في كتاب الاستيعاب أن سفيان بن يا ليل، وقيل ابن ليلى، وكنيته أبو عامر، ناداه يا مُذلَّ المؤمنين، وفى روايةِ هشام، ومسوِّد وجوه المؤمنين، فقال له: ويحك أيها الخارجيّ لا تعنِّفني؛ فإنّ الذي أحوجني إلى ما فعلت قتْلكم أبي، وطعْنكم إياي، وانتهابكم متاعي: وإنكم لما سرتم إلى صفِّين كان دينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ويحك أيُّها الخارجيّ! انى رأيت أهل الكوفة قومًا لا يوثَق بهم، وما اغترَّ بهم إلا مَن ذل، ليس رأيُ أحدٍ منهم يوافق رأيَ الآخر، ولقد لقي أبي منهم أمورًا صعبة وشدائد مُرّة، وهي أسرع البلاد خرابًا، وأهلها هم الذين فرّقوا دينهم، وكانوا شِيَعًا. وفى رواية: أنّ الخارجيّ لما قال له: يا مُذلّ المؤمنين! قال: ما أذْلَلْتهم، ولكن كرهتُ أن أُفنيَهم، وأستأصِل شأْفتَهم لأجل الدنيا)) [تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص١٩٩].

وعليه فلا يمكن بحالٍ من الأحوال الركون إلى الروايات التي يُدَّعى فيها أنّ المعنِّف والعائب على الإمام الحسن السبط (عليه السلام) هو من حواريّيه؛ ويؤيد ذلك ما جاء عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قوله: ((إنّ حواريّ عيسى كانوا شيعته، وإنّ شيعتنا حواريّونا، وما كان حواريُّ عيسى بأطوَع له من حواريّينا لنا، وإنما قال عيسى للحواريّين: مَن أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، فلا واللهِ ما نصروه من اليهود ولا قاتلوهم دونه، وشيعتنا والله لم يزالوا منذ قَبَض الله عزّ ذكره رسوله ينصروننا، ويقاتلون دوننا، ويحرَقون ويعذَّبون، ويُشرَّدون في البلدان، جزاهم الله عنا خيرًا)) [الكافي، ج٨، ص٢٦٨].

فقول سفيان بن أبي ليلى للإمام الحسن (عليه السلام): ((السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين أو يا مسوِّد وجوهِهم))، كاشفٌ عن اعتقاده ارتكاب الإمام الحسن (عليه السلام) معصيةَ إذلالِ المؤمنين، وهو وصفٌ يتنافى مع الاعتقاد بعصمته وإمامته عليه السلام، بل لا يمكن بحالٍ من الأحوال صدوره عن المعصوم (عليه السلام)، ومنه يمكن الجزم بعدم كون سفيان بن أبي ليلى من حواريّي الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، إذ إنّ تعنيفه وعيبه لا يوحي بذلك، بل لا يُشَمُّ منه رائحة الولاء والاتباع على أقل التقادير.

أما حجر بن عدي فقد اتُّهم - زورًا وبهتانًا - في إخلاصه وولائه للإمام الحسن (عليه السلام)، بأنه كان من المعارضين لصلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية، والمعنِّفين له، فتارةً يُنسب إليه بأنه قال للإمام الحسن (عليه السلام) بعد الصلح: ((السلام عليك يا مُذلَّ المؤمنين))، وأخرى بأنه قال: ((يا بن رسول الله! لوددت أني متُّ قبل ما رأيت! أخرجتَنا من العدل إلى الجَور! فتركْنا الحق الذي كنّا عليه! ودخلْنا في الباطل الذي كنّا نهرب منه! وأعطَينا الدنيّة في أنفسنا! والخسيسة التي لم تَلِقْ بنا)) [كلمة الإمام الحسن، ص100، حياة الإمام الحسن، للقرشي، ج2، ص 266، الأخبار الطوال، للدينوري، ص٢٢٠]، وثالثة بأنه قال: ((أما والله لقد وددتُ أنك متَّ في ذلك اليوم، ومتْنا معك، ثم لم نرَ هذا اليوم، فإنّا رجعْنا راغمين بما كرِهنا، ورجَعوا مسرورين بما أحبّوا)) [مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب، ج٣، ص١٩٧].

وقد أجاب السيد الخوئي (قدس سره) عن سؤالٍ وجِّه له حول النصوص المذكورة في أعلاه ومدى صحتها، فقال: ((ما وجدْنا لذلك سندًا معتبرًا، والله العالم)) [صراط النجاة، السيد الخوئي، ج٢، ص٤٥١].

فحجر بن عدي كان ممن يظهر التسليم التامَّ للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بدليل جوابه بعد وعْظ الإمام علي (عليه السلام) له، حيث قال: ((نقبل عظتك ونتأدَّب بأدبك.. ثم قال مستعرضًا مناصرته لأمير المؤمنين عليه السلام: وأزمَّتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإنْ شرَّقتَ شرّقنا، وإن غرّبت غرّبنا، وما أمرْتَنا به فعلناه)) [بحار الأنوار، ج٣٢، ص٣٩٩].

فجواب حُجرٍ هذا مما لا يصحّ من عاقلٍ أن يُكابر في إنكار كاشفيّته عن اعتقاده بكون الإمام مفترضَ الطاعة، وبأنّ طاعته من طاعة الله عزّ وجلّ، فكيف يُتصور اعتراضه على فعل الإمام الحسن (عليه السلام) واختياره للصلح، وهو يعتقد بإمامته ووجوب طاعته ومسلِّمٌ له تسليمًا تامًّا، وقد كان مسلماً من ذي قبل لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)؟!.

وهذا الاتهام الباطل ما هو إلا محاولة لزعزعة عقيدة أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بالخُلَّص الأوفياء من شيعتهم، ولكنْ هيهات.. هيهات أن يبلغ حجارهم تلك السماء الشامخة، فإنّ الله كافي المؤمنين وناصرُهم، وحالُ أولئك كما قال الشاعر:

كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهِنَها *** فلم يضُرْها وأوهى قرنَه الوعْلُ

وأما عن سؤال معنى تحريم توهين الرواية الضعيفة، فمعناه عدم جواز تكذيب مضمونها إذا لم يكن معارضًا للكتاب أو السنة الصحيحة؛ لأن الرواية الضعيفة ربما تكون صادرة عن المعصوم (عليه السلام)، إلا أنها لم تُرْوَ بسندٍ صحيح، فوجَب ترْكها، ولم يجُزْ تكذيبها، والله العالم.

ودمتم سالمين

مسائل ذات صلة