مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) معلِّمٌ لجبرائيل؟

السائل حسين النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 346 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

سيّدنا يُعلَم أنّ الملائكة يأخذون علمهم من اللّه تعالى، فكيف يكون الإمام عليٌّ (عليه السّلام) معلِّما لجبرائيل في الحادثة المشهورة؟ ويُقال: لعلّ الخبر مسوقٌ على جهة الرّمز لا الحقيقة.. فما المقصود؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيموالحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.لا ريبَ أنّ علم الملائكةِ موقوفٌ على إذنِ الله تعالى، ولا سبيلَ لهم إلى الإحاطة بشيءٍ منه استقلالًا؛ لأنّهم من جملة الممكنات، ونفوسُهم قابلةٌ للعلم، لا منشِئةٌ له، وقد عبّروا عن ذلك بقولهم: ﵟسُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاﵞ [البقرة:32]، فلا علم لهم بالفعل إلّا بما شاء اللهُ أنْ يُفيضه عليهم، وهذه الإفاضة لا تختصّ بالوجه المباشر، بل تقع أحيانًا بواسطةِ مَن شاء الله سبحانه له ذلك، فإنّ الفاعل بالحقيقة هو الله تبارك وتعالى، والواسطة مأذونةٌ في الإيصال.وحيث لا دليلَ على حصر التلقّي في ما يكون بلا واسطةٍ، ثبت جواز التعلّم من الوسيط، ولو كان من جنس البشر، متى ما ثبتت أهليّتُه، وفُوِّض إليه من العلم ما لم يُفَوَّض إلى المَلَك.وهذا بعينِه هو مورد تعليم آدمَ (عليه السلام) للملائكة، فقد علّمه اللهُ سبحانه الأسماءَ، ثم أمره أنْ يُنبِئهم بها، فصار آدم ـ مع كونه مخلوقًا من طينٍ ـ معلِّمًا لملائكةٍ مخلوقين من نورٍ، ولم يكن في ذلك خروجٌ عن الترتيب؛ لأنّ التقدُّم ليس بالعنصر، بل بالمقام الممنوح مِن الله عزّ وجلّ.فبطلَ بذلك ما قد يُتوهَّم من أنّ جعْل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) معلِّمًا لجبرائيل (عليه السلام) قلبٌ للرتبة، فإنّ الرتبة في باب الفضل لا تُقاس بالمادّة الخَلْقية، بل بالتشريف الإلهيّ، ومَن فُوِّض إليه العلمُ، وجُعل مستودعًا لعلوم النبوّة، كان له أنْ يُبلّغ مَن شاء الله سبحانه أنْ يأمره بالتلقّي عنه، ولو كان مَلَكًا مقرَّبًا.وليس في هذا ما ينافي التوحيد، فإنّ الفعل كلّه لله سبحانه، والُعلم فعلٌ من أفعاله، فإذا جعله بين مَلَكٍ وبشر، لم يكن فيه محذورٌ، ولا منعٌ عقليّ.بل إنّ العقل يُجيز أنْ يُفيض الله سبحانه العلمَ على أحدٍ من عباده، ثم يأمر مَلَكًا أنْ يتلقّاه منه، فإنّ نسبة الممكن إلى الممكن لا تستتبع نقصًا في المتعلِّم، إذا وقع التعلّم بأمر الفاعل الحقيقيّ، وكان المعلِّم وعاءً مأذونًا له بالإفاضة.وقد يُقال: إذا كان جبرائيل يتلقّى العلم من النبيّ أو من الإمام، فما محلّ وظيفتِه؟ وما معنى التبليغ؟ ولمن يُبلِّغه، إذا كان الآخذُ منه أعلى منه رتبةً؟فيُقال: إنّ تلقّي جبرائيل (عليه السلام) من النبيّ أو من الإمام (عليهما السلام) ليس من جهة تبليغ ما نُزّل إليهم، بل من جهة كونه مأمورًا بتلقّي بعض ما أُودع فيهم من العلم المفوَّض، ليُنفّذ من جهته ما تعلّق به الأمر الإلهيّ في عوالم الملك والملكوت، أو ليشهد ما جُعل الإمام متصرّفًا فيه من شؤون التدبير.وقد ورد في الأخبار المعتبَرة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) أُمر أنْ يُبلّغ عليًّا جميع ما أُنزل عليه، فقد روى الصفّار بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: ((لم يُعلّم الله محمدًا علمًا إلا أمره أنْ يُعلمه عليًّا عليه السلام)) [بحار الأنوار، ج٤٠، ص٢١٢‏].كما روى - أيضًا - بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: ((إنّ العلم الذي هبط مع آدم لم يرفع ، وإنّ العلم ‏يُتوارث، وما يموت منّا عالم حتى يخلفه من أهله من يعلَم علمَه ، أو ما شاء الله ) [بصائر ‏الدرجات، ص134].‏وهو نصٌّ صريحٌ في أنّ الإمامة منصبٌ لا ينفكّ عن العلم الإلهيّ المفوَّض، وأنّ هذا العلم محفوظٌ ‏في الصدور، يجري بين الأئمّة وراثةً، بإذن الله تعالى.‏وحيث ثبت بالتواتر المعنويّ أنّ الأئمّة (عليهم السلام) محدَّثون، مفوَّضٌ إليهم العلم، فلا يُستبعد عقلًا أنْ يُبلِّغوا ما عندهم لمن أُمر أنْ يتلقّاه عنهم، فيبطل بذلك ما يُتوهَّم من أنّ وظيفة جبرائيل هي التبليغ لا التلقّي، فإنّ التبليغ لا يتحقّق إلّا بعد التلقّي، وقد يتلقّى من الله سبحانه بلا واسطة، وقد يتلقّى بواسطة نبيٍّ أو وصيٍّ، كما دلّ عليه التنزيل في تعليم آدم (عليه السلام) للملائكة.وليس في هذا نقضٌ لوظيفة المَلَك، بل هو امتثالٌ للأمر، إذ {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]، ولا مانع من أنْ يُؤمر بتلقّي ما لم يُبلَّغ به من قبلُ، متى اقتضت المصلحة ذلك.وأمّا ما نُقِل من أنّ جبرائيل كان يرجع إلى عليٍّ (عليه السلام) في بعض المسائل، فإنْ ثبت كان شاهدًا، وإنْ لم يثبت، لم يقدح؛ لأنّ المقام مبنيٌّ على الإمكان العقليّ والوقوع القرآنيّ، لا على الرواية المفردة، والرواية غاية ما فيها التأييد، لا التأسيس.وإذا ثبت في أصل المعنى ما لا يقدح فيه عقلٌ ولا نقلٌ، لم يكن حمل الخبر على جهة الرمز مبرَّرًا، بل هو صَرفٌ عن الظاهر من غير قرينةٍ، والأصل في كلام المعصوم الحقيقة لا المجاز، فإرادة الرمز تحتاج إلى ما يدلّ عليها، ومع انتفاء الموجب لا يُصار إليها، ولا موجب للحمل على المجاز مع استقامة المعنى على القواعد.فتحصّل أنّ نسبة التعليم من الإمام عليٍّ (عليه السلام) إلى جبرائيل (عليه السلام) لا تُنافي أصل التوحيد، ولا تستلزم غُلوًّا، بل هي جاريةٌ على وفق ما دلّ عليه العقلُ والنصّ، وعليه فلا موجب للإنكار، ولا لمصادرة ظاهر الخبر، وإنْ لم يثبت اعتباره.والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة